نقطة ساخنة وجهان لعملة واحدة..!

822

الهدر من أبرز الآفات التي تحيق بالاقتصاد الوطني إن لم يكن أبرزها ولاسيما في هذه المرحلة بالذات..!.
وما يزيد الأمور تعقيداً أن هذه الآفة لا تطول مفصلاً أو قطاعاً بعينه، بل تتغلغل بجميع القطاعات، نفط، غذاء،  صناعة، تجارة، زراعة، سياحة، مناسبات اجتماعية، أعياد…الخ.
فمثلما لا يعقل هدر الطاقة الكهربائية سواء على مستوى الأفراد والأسر، أم على مستوى المؤسسات الحكومية، لا يُعقل أيضاً الهدر الناجم عن حفلات وولائم الخمس نجوم. ومع إقرارنا بأن لكلٍ الحق في التصرّف بماله، إلا أن هذه القاعدة قد تعتبر -إلى حدّ ما- شاذّة على الأقل أدبياً وأخلاقياً.. مع الإشارة هنا إلى أن الهدر والفساد وجهان لعملة واحدة..!.
ولعل الطامة الكبرى تكمن في ذلك الهدر الحاصل نتيجة استيراد الكماليات لبلد أحوج ما يكون في هذه اللحظة إلى القطع الأجنبي، ويجتهد لفتح منافذ تصديرية -ولو بالحد الأدنى- عسى أن يعوّض ويرمّم ما تصدّع من اقتصاده وليرته المأزومين..!.
لقد باتت هذه الآفة بحاجة إلى مضادّ عالي المستوى، يبدأ من الذات الشخصية، مروراً بالتربية الأخلاقية والحملات الإعلامية للترشيد، وليس انتهاء بالمحاسبة الصارمة. لا بل قد يحتاج هذا المضاد كي يكون فاعلاً إلى توسيع دائرة الأجهزة الرقابية وتركيزها على محرق الهدر لاستئصاله قدر المستطاع..!.
لا ضير في أن نستحضر في هذا السياق بعضاً من التجربة الصينية،فرغم كل ما يقال عن الصين وبالتحديد “إنتاج السلع الرخيصة” لا شك أنها قد تسبّبت في ارتفاع رفاهية الفقراء في العالم، نتيجة انتهاجها سياسة الترشيد باستثمار الموارد من جهة، واستهلاك مخرجاتها من جهة ثانية..وإلا لما تمكّن فقراء العالم من شراء معظم الأجهزة المنزلية والملابس وحمل الهواتف النقالة في أيديهم وغير ذلك بسعر رخيص..!.
نشير قبل أن نختم إلى أن الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء تنبّهت إلى مسألة الهدر على مستوى الوقود المخصص للمركبات والآليات الحكومية من خلال تفعيل نظام البطاقة الذكية، ومع أن هذه الخطوة جاءت متأخرة إلا أنها دون أدنى شك في محلها، وأثمرت تحقيق وفر ضمن المحور المؤتمت وصل إلى 300 ألف ليتر من المحروقات لـ10 آلاف آلية خلال شهر واحد فقط، مع الإشارة إلى أن استهلاك الآليات الحكومية للوقود بشكل إجمالي يفوق الـ55 مليون ليتر سنوياً.
نجزم وبالفم الملآن أن المحافظة على المال العام والخاص والثروات الوطنية من الاستنزاف باتت أحد أهم عناوين هذه المرحلة، وتقتضي من جميع الجهات العامة والخاصة والمنظمات واتحادات المجتمع المدني والاقتصادي حشد الجهود لاجتثاث هذه الآفة وتعميم ثقافة الترشيد على جميع المستويات..!.
حسن النابلسي
hasanla@yahoo.com

التعليقات مغلقة.