طالب سوري بصف عيد الربيع: الأَحلام في الصين تُزهِر كما الربيع

13 شباط 2019

صحيفة الشعب اليومية أونلاين

بقلم/ إياد عبيد، حفيد المرحوم الاستاذ سلامة عبيد مدرّس اللغة العربية في جامعة بكين في اواسط الثمانينات من القرن الماضي

تفتًحت براعمُ أزهار الربيع الصيني أمام ناظِرِي حالَما تم إعلانُ قبولي في برنامج مِنَح الحكومة الصينية لدراسة الماجستير في جامعة هونان في مدينة تشانغشا في منتصف العام 2017، وستبقى تلك اللحظة التي تلقيت عندها اتصالاً هاتفياً من السفارة الصينية بدمشق مُعلنةً نجاحي وقبولَ طلبي للمنحة الدراسية لحظةً فارقةً في حياتي. لآتي بعدها الى جمهورية الصين الشعبية وكلًي أملٌ أن أعيشَ الربيعَ الصينيَّ زاهيَ الألوان وهذا فعلاً ما كان.

فالشّوقُ الى الصين شعورٌ متأصلٌ لدي منذ الطفولة زَرعَهُ في قلبيَ جدّيَ المرحوم الاستاذ سلامة عبيد مدرّس اللغة العربية في جامعة بكين حتى اواسط الثمانينات من القرن الماضي ولاتزال حكاياتُه وقصائدُه عن جمهورية الصين وطيبة شعبها حاضرةً في ذهني وروحي، وأَخُصُّ منها مقطعاً من قصيدته “الله والغريب ” حيث يقول:”هنا قلوبُ الناسِ بيضاءُ وأرضُها ماءٌ وافياءُ”. لقد صدَقتَ ياجدي فبعد مرور ما يَنُوف عن الرُّبع قرن من كتابة قصائدك المفعمة بالحب عن الصين أعيشُ الآن في هذا البلد الرائع الذي استطاع قادَتُه الحكماء أن يجعلُوهُ جنةً غنّاء وربيعاً دائماً لأهلهِ وضيوفهِ من كل الأنحاء.

هنا في الصين أعيشُ عُمراً كاملاً في كلِّ لحظة، أعيش الماضي والحاضر والمستقبل بتناغمٍ وانسجامٍ وسلام، وكلُّ ما كنت أحلمُ به في وطني، أراه متجسّداً في الواقع بأبهى صورة، واصبحَ لديَّ صداقات من جميع القارّات، هنا ورغم برودة الطقس في مدينة تشانغشا فإن التلاقي والتواصل بين الأصدقاء من مختلف أنحاء العالم، أشعرني بربيعٍ روحيٍّ غامر كما لو أني أحيا العيد في وطني بين أهلي وأسرتي.

لم يكن مفاجئاً لي دعوةُ الأصدقاء لنا كمجموعة من الطلبة العرب والأجانب لتناول الطعام معاً في العيد، ولكن الشيء الجميل والرائع والمختلف عن عاداتنا العربية هو دعوتهم لنا المشاركه في إعداد الطعام وتحضيرالطبق الصيني الشهير والذي يدعى شوي تزياو ” 水饺” وأن يكون لكلّ منًا دوره ونصيبه في إعداد وتحضير وانجاز هذا الطعام الّلذيذ، حيث اكتشفتُ لاحقاً أنه يشبه الى حدٍّ كبير طبقاً عربياً شعبياً نسّميه في بلادنا “الشّيش بَرَك” وهي أَكلَةُ لذيذةٌ تستنفر لها البُطون في الأعياد ومناسبات الفرح، ومجرّدُ ذِكرِ اسمِها يُثيرُ عند مَن ذَاقَ طَعمَها الشُّجُون.

نعم في البداية كان طلب الأصدقاء منّا المشاركة في الطبخ أمراً مستغرباً ولكن حالَمَا اجتمعنا نحن مجموعة الطلبة العرب والأجانب في مبنى السكن الجامعي وبعد أن تسوّق أصدقاؤنا المواد اللازمة لإعداد الـ شوي تزياو ” 水饺” وشرَحوا لنا المبادئ الأولية لإعداد هذا الطبق حتى بدأ كلٌّ منّا بأداءِ دورهِ بكفاءةٍ وحماس بجوٍ ودِّي مليءٍ بالغبطة والإحساس، كان شعوراً رائعاً أضفَاهُ علينا لُطفُ الأصدقاء ومودّتهم وحديثهم عن عيد الربيع الصيني والعادات والتقاليد الصينية وكيف أن العائلات الصينية تجتمع في هذا العيد، الأجداد والأبناء والأحفاد، الجميع مع بعضِهم في بيت واحد، كما أخبرونا أن الوالدين يحثُّون ابنائَهم في هذا العيد على ايجاد شريك الحياة والإرتباط بمن يحبون والزواج وتكوين أسرة، عندها مازحتَهم قائلاً: نحنُ في بلادنا العربية لا نحتاج الى حثِّ الوالدين على الزواج، ما نحتاجه فقط هو حسابهم البنكي لو كان فيه مالاً وفيراً كافياً لتغطية تكاليف الزواج، فابتسم الجميع مؤيدين: نعم إن حفلات الزواج مُكلفة في بعض البلدان ومَهرُ العروس قد يُجزِع النُّفوس كما في السودان.

حقاً كان العيد مناسبةً رائعةً للتلاقي، ورغم عدم الخبرة في الطّبخ، الكل كان يعمل بتناغم مع الآخرين وكأننا فرقة موسيقية تَعزِفُ لحناً صينياً جميلاً.

وما زادَ العيدَ بهجةً، اقتراح الأصدقاء من إثيوبيا وجنوب السودان بأن يختار كلّ منّا أغنيةً من تراثه الشعبي ويُترجِمَ ما أمكن الى بقية الأصدقاء.

وكم كنتُ سعيداً وتغمُرني الغِبطةُ والنّشوة عندما بدأ جميعُ الاصدقاء يتفاعَلُون مع الموسيقى العربية ويُدندِنُونَ الأنغام على طريقتهم المحبّبة منهمكين ايضا في الطبخ متسائلين عن معاني كلمات الأغاني، وبعد أن ترجمنا لهم ما استطعنا من معاني الأغاني علًقوا قائلين: إن الموسيقا من جميع البلدان والثقافات تَدعُوا الى الحب والسلام إنها حقاً لغة عالمية، فأضفتُ قائلاً: لا تنسو الطعام يا أصدقائي أنه أيضا لغةُ عالميةُ دَسِمة ولذيذة، فضحِك الجميع وأضافوا قائلين: إذاً نحن الآن نأكل الطعام ونسمع الموسيقا فقد أضفنا الى سيرتنا الذاتية لغتين عالميتين، أنها لحظاتٌ جميلةُ ورائعةٌ حقاً.

ولمّا انتهينا من تحضيرالمواد اللازمة جُمعت مستحضرات الطعام ووضعت في قِدِرٍ مُخصّص على نار هادئة حتى يَنضُج وتابعنا احاديثنا الشيّقة وكلٌّ منّا يَدلو بِدَلوه ويُحدِّث الآخرين عن عادات الأعياد كلٌّ حسبَ بلدِه ومجتمعه وعاداته وتقاليده فعرفنا كم هي متنوعة عادات وطقوس العيد حول العالم، ولكن يبقى إعدادُ الأَطعمةِ الشهيّة تقليداً مشتركاً بين جميع الشعوب وجزءاً اساسياً من احتفالية العيد.

وما إن نَضُجَ الطعام ووُضِع على المائدة حتى عطّرت رائحتُه الزّكيّه أالأجواء فأخذ كلٌّ منّا كِفايتَهُ من الطعام وأكلنا بهناء شاكرينَ للطُهاة حُسنَ الأداء.

إنّ فرحتنا الغامرة بمُبادرة الأصدقاء ودعوتنا للمشاركة بإعداد الطبق الصيني شوي تزياو “水饺” شجّعنا على تكرار هذه المبادرة ودعوة الأصدقاء العرب والأجانب للمشاركة بإعداد الأطباق التقليدية الشعبية من الطعام ليكون هذا نشاطاً اجتماعياً من الأنشطة الطلابية المحبّبة في الجامعة.

كم كان رائعاً أن نجتمع في العيد انها تجربة فريدة ساهمت في مزيدٍ من التقارب والتآلف ومزيدٍ من المعرفة عن ثقافات وعادات وتقاليد بعضنا البعض.

ووعدتُ أصدقائي بأني سأجمَعُ كلً الذكريات الجميلة من حياتي في الصين والرّحلات واللقاءات في مُؤلّفٍ واحدٍ أنشُرُه في بلادي ليكونَ نافذةً على حياة الطالب العربي في هذا البلد الرائع، أو رُبَّما أكتبُ سيناريو لفيلم جميل يُجسِّدُ البيئة الرائعة لحياة الطلبة الأجانب في الصين ليُخرجه أحدُ المخرجين الصينيين الموهوبين، إنّه حُلمٌ جميلٌ لرُبّما يتحقق. فالأَحلام في الصين تُزهِر كما الربيع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 48 = 52