سورية والصين .. خمسون عاماً من الصداقة


بقلم :جميل الجندي

بدأت العلاقات الرسمية بين سورية والصين في الأول من آب عام 1956 وهي الدولة العربية الثانية بعد مصر عبد الناصر التي أقامت علاقات ديبلوماسية مع الصين في 30 أيار من العام نفسه,

وكانت العلاقات بين سورية والصين قد شهدت تقاربا كبيرا منذ مؤتمر ( باندونغ) لدول عدم الانحياز في عام .1955‏

وقد أقامت سورية مع الصين علاقات سياسية واقتصادية وثقافية منذ أكثر من 50 عاما دون أن تعترض هذه العلاقات أية أزمة أو انتكاسة من أي نوع كان, وكان الاعلام والمؤسسات الثقافية في سورية مهتمة باستمرار بالتطورات التي شهدتها الصين في تجربتها الخاصة نحو الاشتراكية, وساهمت دور النشر السورية في ترجمة مؤلفات الرئيس ماو وخطواته التي أدت إلى توحيد الصين وهو الأمر الذي يتطلع العرب إلى تحقيقه اليوم.‏

وتم في دمشق عام 1988 البدء بأول تعاون عربي جماعي مع الصين حيث تم التوقيع في الدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر غرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية – على إنشاء غرفة التجارة العربية الصينية المشتركة, وتم اقرار نظامها العام- ما دفع عجلة التطور بين الصين والدول العربية اقتصادياً وتجارياً .‏

وتتعاظم أهمية الصين السياسية والعسكرية والاقتصادية بصورة متسارعة ولاسيما من الناحية الاقتصادية – حيث شهدت نمواً غير مسبوق بلغ 9,5 بالمائة طيلة الربع قرن الماضي.‏

لهذا كانت زيارة الرئيس الصيني (هوجينتاو) الأخيرة لواشنطن في أبريل 2006 مناسبة لكثير من المعلقين في أوروبا ومختلف انحاء العالم لتأكيد أن الصين هي الدولة العظمى الجديدة, ولهذا جاء مانشيت صحيفة الأندبندنت البريطانية على الصفحة الأولى (أميركا تقابل الدولة العظمى) إضافة إلى مانشيت بحرف أصغر( زيارة الرئيس (هو) لواشنطن تؤكد هزيمة أميركا المحتملة أمام التفوق الاقتصادي الصيني).‏

وإدراكاً من القيادة السورية لأهمية الصين المتعاظمة, وضمن إطار سعي سورية لكسر العزلة التي سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى فرضها على سورية قام الرئيس بشار الأسد بزيارة إلى الصين في حزيران عام ,2004 تم خلالها التوقيع على العديد من الاتفاقيات الاقتصادية والتقنية والثقافية, واعطت الصين في نيسان 2006 أكثر من رسالة دعم وتأييد لسورية من خلال زيارة وفدين رفيعي المستوى بنفس الوقت إلى دمشق, الأول حزبي برئاسة السيد ( وانغ لي تشيوان) عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الذي استقبله الرئيس بشار الأسد- وجرت مع الوفد مباحثات معمقة حول كثير من القضايا الدولية والاقليمية- وحول الخطى المتشابهة في عملية التطوير والتحديث, واستعادة سورية لاراضيها المحتلة في الجولان وتحقيق السلام العادل والشامل, وحول تدعيم وتوسيع التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي وزيادة الاستثمارات والمشروعات المشتركة بين البلدين.‏

في حين ترأس الوفد العسكري العماد ( سون تشونغ ثونغ) نائب رئيس الهيئة السياسية العامة لجيش التحرير الصيني, وبحث السيد العماد حسن توركماني, وزير الدفاع مع الوفد الصيني موضوع تطوير التعاون بين البلدين والجيشين بما يخدم مصلحة البلدين الصديقين.‏

ويمكن الإشارة إلى أن التطور الأهم على صعيد العلاقات الاقتصادية بين سورية والصين, هو بناء المدينة الصناعية الحرة في عدرا قرب دمشق الذي يعطي الصين فرصة جوهرية للوصول إلى أسواق الشرق الأوسط و أوروبا وهي عبارة عن مجمع استثماري يضم نحو 600 معمل ومصنع لنحو مائتي شركة صينية على شكل مدينة لانتاج العديد من السلع الصناعية وتوزيعها انطلاقا من سورية إلى 17 دولة.‏

وأنشئت بمساحة 500 ألف متر مربع تضم مصانع وصالات للعرض التجاري كمنطقة حرة خاصة, ويسعى المشروع لتغطية احتياجات الدول المجاورة وبعض دول أوروبا والشرق الأوسط وهي ( العراق والسعودية ولبنان ومصر وليبيا وتونس و الجزائر و المغرب وتركيا وجورجيا وأوكرانيا ومولدافيا ورومانيا وبلغاريا واليونان وقبرص) وتشمل هذه المنطقة إقامة مخازن ضخمة للسلع الصينية المرغوبة في الأسواق الأوروبية لتلبية الطلبات العاجلة حيث يمكن توصيل هذه البضائع في مدة لاتزيد على 10 أيام, في حين يتطلب وصولها من الصين نحو 40 يوماً,لأن سورية تتميز بموقع جغرافي هام على البحر الأبيض المتوسط, وهو ما يجعلها بوابة لمختلف الدول العربية والدول الأوروبية ودول منطقة الشرق الأوسط وهو ما يؤمن للصين فرصا واسعة لتصريف منتجاتها ودعم صناعاتها وهو ما يوفر في نفس الوقت فرص عمل جديدة وأهمية حيوية واستراتيجية كبيرة.‏

وكان بعض كتاب الصحافة اللبنانية ومن بينهم غسان التويني رئيس تحرير جريدة النهار نوه إلى أن الصين كانت تستقبل مع موعد زيارة الرئيس بشار الأسد إلى بكين في عام 2004- وفدين إسرائيليين- حمل الأول عروضا اقتصادية, في حين حمل الثاني عروض بيع تكنولوجيا متقدمة – مما هو غير متوافر في سورية- ولا عند عربها وإسلامها والمجاهدين.‏

وبغض النظر عن روح السخرية التي يريد السيد تويني أن يقول عبرها, إن سورية لن تفلح مع الصين لأن ليس لديها شيء تقدمه للصين لا هي ولا العرب ولا المسلمون, لأن إسرائيل قادرة على اعطاء الصين شيئاً هاماً وهو تكنولوجيا متقدمة, والتي يعرف الجميع حكاية الأزمة التي نشأت بين إسرائيل والإدارة الأميركية بسبب بيع الأولى تكنولوجيا متطورة إلى الصين قد تستخدم ضدها وأوقفت بعض هذه الصفقات.وهذا يؤكد أمرين هامين:‏

> الأول هو أن إسرائيل تدرك أهمية الدور القادم للصين, وهي تسعى للاقتراب منها وكسب ودها تحسبا للمستقبل الذي ينتظرها.‏

>والثاني أن سورية والدول العربية الأخرى لديها ما تريده الصين, وما تهتم به حالياً ومستقبلاً, ويكفي أن نشير إلى ثلاثة عوامل رئيسية يمكن الإشارة إليها بإيجاز, أهمها أن حجم المبادلات التجارية بين العرب والصين قد بلغ في عام 2005 ما يزيد على 50 مليار دولار, بينما لم يزد حجم المبادلات بين إسرائيل والصين عن 5 مليارات دولار – أي أن حجم المبادلات العربية مع الصين يبلغ 10 أضعاف حجم المبادلات مع إسرائيل.‏

كما أن سورية وعدداً من الدول العربية اتفقت مع الصين لتكون مراكز انتاج وتوزيع للمنتجات الصينية, وهو أمر بالغ الحيوية في الاستراتيجية الاقتصادية والتجارية الصينية.‏

والأهم أن الدول العربية تلعب دورا هاما في توفير أمن الطاقة للصين في مرحلة يتزايد فيها استهلاك الصين للنفط والغاز ولم يتجاوز معدل استهلاك الفرد الصيني في عام 2004 عن برميل واحد من النفط يوميا مقابل 14 برميلاً للفرد من كوريا الجنوبية و 45 برميلا للفرد في الولايات المتحدة الأميركية, وتحتاج الصين إلى كل نفط منظمة الدول المصدرة للنفط ( اوبك) لكي تصل إلى مستوى استهلاك كوريا الجنوبية, لهذا جاء الاتفاق الذي أعلن بعد زيارة الرئيس الصيني ( هو) للرياض في عام 2006 عن موافقة المملكة العربية السعودية على بناء مخزون احتياطي نفطي للصين عملاً مباشراً يساهم في ضمان التقدم الاقتصادي للصين, وضمان استمرار وتيرة النمو العالية التي تحققها الصين حالياً.‏

ونخلص من ذلك إلى نتيجة هامة, وهي أن التعاون العربي الصيني هام جداً بالنسبة للصين, والذي أدعى بأنه لا السوريين, ولا العرب ولا المسلمين قادرون على أن يقدموا شيئاً أهم من الذي تقدمه إسرائيل, هو كلام على عواهنه ولا يستند إلى الحقائق.‏

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

36 + = 40