خسائر الاقتصاد السوري بسبب الحرب وكيفية مواجهتها

 
الدكتور مصطفى الكفري
أستاذ الاقتصاد بجامعة دمشق
 
إن ما يجري في سورية مؤامرة كبرى وحرب ظالمة تستهدف التقدم الذي وصلت إليه سورية وخاصة خلال العقد الأول من الألفية الثالثة وذلك من خلال الانفتاح الاقتصادي والتطوير والتحديث وتعزيز قدرات الاقتصاد وزيادة معدلات النمو وإفساح المجال أمام القطاع الخاص لممارسة دوره الوطني وتوفير بيئة مناسبة للاستثمار.
حيث دخلت سورية ميدان صناعات جديدة لاسيما السيارات وتحقيق قيم مضافة ومضاعفة إيرادات الخزينة العامة وزيادة الودائع المصرفية وزيادة عدد المدن الصناعية وإعادة افتتاح سوق دمشق للأوراق المالية وترخيص شركات التطوير العقاري والتمويل وانخفض عجز الموازنة إلى درجات كبيرة وتراجع حجم المديونية إلى الصفر، وهذا يشكّل نقاط قوة كانت تحسب للاقتصاد السوري، مع وجود نقاط ضعف في الاقتصاد السوري تمثلت في انخفاض معدلات النمو لبعض القطاعات وانخفاض متوسط دخل الفرد وزيادة معدلات النمو السكاني وغيرها وهي مؤشرات قد تعيق عملية التنمية الشاملة والمستدامة.
تشهد سورية منذ سنة 2011 حربا كونية ظالمة ومدمرة تستهدف الحجر والشجر والبشر، أسفرت عن دمار إنساني واجتماعي واقتصادي كبير. وما زالت الحرب تعطل بشكل كبير إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها وتعوق النشاط الاقتصادي. ويتواصل الضرر المادي، وتراجع تأمين الغذاء والخدمات الصحية، وتنامي البطالة، والفقر، وتراجع تقديم الخدمات العامة ذات التأثير الكبير على مجمل السكان.
وفي ظل هذه الحرب خسر الاقتصاد الكثير من الميزات المذكورة وتمت المبالغة أحياناً بحجم هذه الخسائر من جهات دولية مختلفة فالبعض تحدث عن إفراغ المصرف المركزي من العملات الأجنبية والبعض تحدث عن أزمة كبيرة بعدم توافر المواد والسلع وفقدانها وإظهار أرقام خيالية لهذه الخسائر وفي الحقيقة جميعها أرقام تندرج أحياناً تحت مفهوم “التضليل الإعلامي”و على سبيل المثال، فقد قدَّر “المركز السوري لبحوث السياسات” خسائر الاقتصاد السوري بحوالي 254 مليار دولار، وتحدثت منظمة “الأسكوا” عن خسارة 35 سنة تنمية.
والواقع، فقد أصيب الاقتصاد السوري بخسائر كبيرة خلال سنوات الحرب، ووصلت إلى خسارة أكثر من /40%/ من أصول رأس المال نتيجة الدمار وسرقة وتهريب المصانع السورية إلى تركيا، إضافة إلى انكماش الاقتصاد بحدود 30-34% وخسارة  مليون فرصة عمل، وارتفاع معدل التضخم إلى  مستوى ما بين /70-80%/ وتراجع سعر صرف الليرة بنسبة /90%/ وهجرة رؤوس الأموال منذ الأشهر الأولى للحرب، ونقل الحسابات المصرفية للمواطنين السوريين إلى مصارف في لبنان ومصر والأردن وتركيا والإمارات، وهذه مجتمعة تشكل حقائق لا يمكن تجاهلها.
 
خسائر الحرب على سورية:
بعد الأشهر الأولى للحرب، بدأت مشكلات الاقتصاد الكلي في سورية بالظهور، وتزايدت مع مرور الوقت، وتشير التقديرات إلى تراجع إجمالي الناتج المحلي الحقيقي خلال الفترة /2011-2016/ وقد تراجع في عام /2016/ بنسبة /4%/ لوحده، وبسبب الدمار الذي لحق بمراكز النشاط الاقتصادي في سورية، وتراجع إنتاج النفط والغاز وتراجع النشاط غير النفطي، إضافة إلى ضغط ارتفاع معدل التضخم، وقد سجل عام /2016/ نسبة /25%/ وبسبب تذبذب أسعار صرف الليرة، وعرقلة حركة التجارة، وبقاء عجز الحساب الجاري والعجز في الموازنة العامة عند مستويات عام /2015/ هذا إن لم تكن أعلى.
ومع نهاية السنة الأولى للحرب، قدر الخبراء خسائر الاقتصاد السوري بنحو 30 مليار دولار، وبدأت في حينه مؤشرات الأزمة الاقتصادية بالظهور مع إضافة خسائر القطاع السياحي الذي كان زود سورية عام /2010/ بعائدات مالية بلغت /8/مليارات دولار.
وفي عام /2010/ كان الناتج المحلي حوالي /60/ مليار دولار بحسب البيانات الرسمية، مقابل خسائر بلغت /80/ مليار دولار مع نهاية عام /2012/ وبحسب خبراء الاقتصاد، إلا أن المركز السوري لبحوث السياسات، التابع للجمعية السورية للثقافة والمعرفة، كان أقل تشاؤماً، وقدر حجم الخسائر عامي /2011/ و/2012/ بنحو /50/ مليار دولار فقط، وتوزعت بنسبة /50%/ للناتج المحلي الإجمالي و/43%/ خسائر مخزون رأس المال و/7%/ خسائر أخرى.
ووصفت دراسة “المركز السوري لبحوث السياسات” هذه الخسائر بأنها كبيرة جداً مقارنة بالخسائر التي نجمت عن النزاعات الداخلية في دول أخرى، ليرتفع العجز التراكمي لميزان المدفوعات إلى /16/ مليار دولار، حيث كان يُمول هذا العجز من صافي احتياطي العملات الأجنبية، وتعد هذه الأرقام مؤشرات خطيرة، وليشهد عام /2013/ خطوة رفع الدعم عن المحروقات.
ولعل الأذى الأكبر الذي تعرضت له سورية خلال سنوات الحرب كان بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرض عليها، وخاصة مقاطعة المصارف للعمليات التجارية مع سورية، علماً أن سورية كانت مصنفة حتى عام 2011 من البلدان المكتفية ذاتياً في معظم ما يحتاجه السكان، وعلى الرغم من أن مقومات وركائز هذا الاقتصاد لم تكن قائمة على حوامل خارجية، باستثناء بعض عمليات التصدير.
وقد تحولت سورية بعد خمس سنوات من الحرب من بلد مصدّر إلى بلد مستورد، ومن الضروري جداً أن نتذكر كيف شكلت المدن الصناعية السورية أهدافاً إستراتيجية لعمليات التخريب الإرهابية، فاتجهت الصناعة إلى إستراتيجية المشاغل والورشات الصغيرة، لكن هذه المشاغل بطاقتها الإنتاجية الصغيرة لا تستطيع خفض التكاليف ولم تغط حاجة السوق.
كما تأثرت الصناعة بتقطع الأوصال بين المحافظات والمدن، ما يعني خسارة المواد الأولية التي يؤمنها قطاع الزراعة للعديد من الصناعات، علماً أن سورية كانت تمتلك مخزونا استراتيجياً من القمح، ومن نوعية جيدة جداً ويكفيها لسنتين حتى لو توقف الإنتاج الزراعي بالكامل، إلا أن حرق المحاصيل ونهب صوامع الحبوب من المجموعات الإرهابية، جعل سورية بلداً مستورداً للقمح، ما أثر على الصناعات ذات العلاقة، وألقى على الفلاحين خسائر كبيرة، وترافق مع ارتفاع كلفة النقل /200%/ وتسبب دمار القطاع الصناعي بخنق الحركة التجارية، وشلل الاقتصاد نتيجة العقوبات على التحويلات المالية ونقل الحسابات المصرفية لتسديد ثمن البضائع، لتنحصر العملية التجارية بعدة دول متعاونة، كالعراق وإيران والصين وروسيا..
ولقد كشف البنك الدولي في تقرير له صدر في تموز /2017/ تحت عنوان “خسائر الحرب: التبعات الاقتصادية والاجتماعية للصراع في سورية” بأن الحرب تسببت بخسائر في إجمالي الناتج المحلي بما قيمت /226/ مليار دولار، أي ما يساوي أربعة أضعاف الناتج الإجمالي لعام /2010/، بينما أكد الدكتور عمار اليوسف المستشار الاقتصادي، أن الدراسات الأخيرة التي أعدت في سورية أكدت أن خسائر القطاعات الاقتصادية تقدر بحوالي 1170 مليار دولار.
ويعود اختلاف التقدير بين البنك الدولي والدراسات السورية إلى سببين، الأول: قيمة الخسائر في القطاعات كافة، والثاني كلفة إعادة الإعمار، وإن اجتماع هذين السببين يقدم صورة حقيقية لحجم وتكاليف خسائر سورية.
وفيما يلي تفاصيل خسائر الحرب على سورية وما يتطلبه إعادة الإعمار.
 
خسائر القطاع السكني والعمراني:
لقد دمر الإرهاب والحرب المساكن والبنى التحتية بسبب اتخاذ الإرهابيين المدن تحصينات دفاعية، ووصلت الخسائر إلى /200/ مليار دولار، إضافة إلى /300/ مليار كلفة إعادة إعمار، ومن دون احتساب كلفة إعمار خدمات البنى التحتية ومحطات الطاقة.
 
خسائر القطاع الصناعي:
يحتل القطاع الصناعي المرتبة الثانية، ولقد فقدت سورية /67%/ من قدرتها الصناعية بسبب الحرب، واستهداف المسلحين للمعامل وسرقة معداتها ومستلزمات الإنتاج إضافة إلى فوات المنفعة الذي عانى منه قطاع الصناعة السوري فيما لو استمر بالإنتاج.
وتتمثل خسائر القطاع الصناعي بما تم تدميره وسرقته من معامل ومستلزمات إنتاج ويقدر بحوالي 60 مليار دولار، إضافة إلى قيمة فوات المنفعة بنحو /40/ مليار دولار، وقيمة ما تحتاجه سورية لإعادة عجلة الإنتاج الصناعي إلى ما كانت عليه قبل الحرب بنحو /110/ مليار دولار مما يرفع الفاتورة إلى 210 مليارات دولار.
ووفق إحصائية وزارة الصناعة السورية، فإن قيمة الأضرار التي لحقت بالصناعة، بشقّيها العامّ والخاصّ، بلغت 336مليار ليرة حسب البيانات المتوافرة، ومع ترك هامش للخسائر، متعلق بارتفاع أسعار المنتجات الحالية نتيجة الظروف الأمنية وما يدفعه المستهلك السوري على منتجات الصناعة السورية إضافة إلى اللفقد الهائل في اليد العاملة، والتي تعد الخسارة الحقيقية التي لا تقدر بثمن.
ولا بد من الإشارة إلى التحسّنٍ الذي طال قطّاع الصناعة التحويلية مؤخراً، حيث استأنفت مصانع عديدةٌ عملها في المدينة الصناعية في عدرا بريف دمشق، وبلغ عدد المعامل المشتغلة فيها نحو 906 معملاً، وتمّت إعادة افتتاح 110 مؤسّساتٍ في القلمون، كما عاد النشاط إلى مدينة حسياء الصناعية في حمص، وعاود حوالي 120 مشروعاً صناعياً أعمالهم في المدينة الصناعية في الشيخ نجار في حلب.
 
خسائر القطاع الزراعي:
احتل قطاع الزراعة المرتبة الثالثة من حيث الخسائر التي بلغت /68/ مليار دولار، لكنه أدّى خلال الحرب دوراً مهماً في المحافظة على الحدّ الأدنى من معيشة مئات آلاف العائلات التي تعتمد اقتصادياً على القطّاع الزراعيّ، وعلى الرغم من التقلبات الموسمية الكبيرة التي تتصف بها الزراعة، واعتمادها على الظروف المناخية، إلا أنها ضمنت نوعاً من استدامة تأمين الغذاء للسكان.
ولقد شهد الإنتاج الزراعيّ تدهوراً بشقّيه النباتيّ والحيوانيّ، وتراجع الناتج المحليّ للزراعة بنسبة /15%/ عام /2014/ مقارنةً بعام /2013/ ويعزى /80%/ من هذا الانكماش إلى تراجع الإنتاج النباتيّ الذي يعكس التدهور الملحوظ في غلة عددٍ من المحاصيل كالقمح والقطن، وبالمقابل، أدى إلى زيادة مستوردات سورية من الغذاء لسدّ فجوة الأمن الغذائيّ، وخاصّةً القمح والسكر والدقيق. وزاد التدهور في الإنتاج الزراعيّ من تضخّم الأسعار، ما تسبّب في تراجع تأمين الغذاء للسكان في المناطق التي شهدت تنامياً كبيراً في أعداد الأسر الفقيرة.
كما عانى القطاع الزراعي الأمرين من الحرب لأسباب عديدة أهمها: خروج مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية خارج الخدمة الفعلية، وخاصة ضمن مناطق التوتر، والارتفاع الهائل في تكاليف السقي وجني المحصول والتدفئة والنقل وندرة الأدوية الزراعية والبذار والتقنيات الخاصة بالزراعة، وخروج عدد كبير من المزارعين والعمال الزراعيين خارج الخدمة الزراعية نتيجة الهجرة أو عدم أمكانية وصولهم لأراضيهم.
ويمكن خسائر وسائل الإنتاج بحدود /25/ مليار دولار وخسائر فوات المنفعة بنحو /20/ مليار، وإعادة الوضع إلى سابق عهده بنحو /19/ مليار، والتي تشمل البني التحتية وإعادة استصلاح الأراضي، إضافة إلى خسائر غير مسبوقة في حجم الثروة الحيوانية وما نحتاجه لاسترداد عافيتها، بلغت /4/ مليار، ما مجموعه /68/ مليار دولار.
 
خسائر القطاع السياحي:
لا يمكن تقدير الدمار الذي أصاب التراث الأثري والمواقع الأثرية والتراثية السورية، ولقد بلغت خسائر هذا القطاع بنحو /14/ مليار دولار، ويكفي أن نذكر أن عائدات السياحة السورية عام /2010/ بلغت /8/ مليار دولار.
وبلغت خسائر دمار الفنادق والمطاعم والمنشآت السياحية حوالي /4/ مليار، تكلفة تأهيل الأوابد الأثرية وعدم الاستفادة منها في وسائل الإنتاج السياحية بنحو /3/ ملبار، وخسائر ما فات من منفعة على قطاع السياحة بنحو /7/ مليار، إضافة إلى خسائر مستقبلية، يصعب تقديرها لحين عودة قطاع السياحة وتعافيه، علماً أن تقديرات وزارة السياحة السورية، لجملة الأضرار قد بلغت /300-330/ مليار ليرة سورية.
 
خسائر قطاع الطاقة والخدمات:
وتشمل قطاعات الطاقة والنقل الطرق والجسور ومحطات الكهرباء والماء والصرف الصحي، والخدمات العامة. وقد بلغت /29/ مليار دولار، وتندمج الخسائر هنا مع فوات المنفعة لعدم إمكانية فصل الأمرين عن بعضهما البعض، وخاصة أن هذه الخدمات كانت شبه مجانية بالنسبة للمواطن ويحتاج إعادة تأهيل هذه الخدمات للعودة إلى ما كانت عليه إلى ما يزيد عن /15/ مليار، وتتضمن إعادة البنى التحتية الطرقية والجسور والكهرباء والماء والهاتف إضافة إلى النظرة المستقبلية لهذه الخدمات.
وبشأن النقل، فقد أشارت وزارة النقل في تقرير لها إلى انخفاضٍ كبيرٍ في مؤشر كمية البضائع المنقولة عبر السكك الحديدية، إذ لم تحدث أية عمليات نقل بضائع إلى خارج القطر، وتوقف العمل بالخط الحديديّ الحجازيّ، وتراجع النقل الجوي، مقابل زيادة نشاط حركة الطيران الداخليّ على متن طائرات مؤسّسة الطيران العربية السورية، وخاصّةً عام /2012/ لتحقق نسبةً تجاوزت /4/ أضعافٍ مقارنةً مع عام /2010/ فيما تراجع الطيران الخارجيّ، وانخفض مؤشر عدد الركاب إلى النصف، علماً أن مؤسسة الطيران العربية السورية استحوذت على معظم حركة المسافرين القادمين والمغادرين، نظراً لتوقف معظم شركات الطيران العربية والدولية عن استخدام المطارات السورية.، كما كشف تقرير الوزارة انخفاض عدد البواخر التي أمّت المرافئ السورية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، بنسبة /62 /% عن عام /2010/ وكانت حركة الاستيراد هي الكتلة الأكبر من حيث إجمالي البضائع المنقولة مقارنةً بحركة التصدير.
 
خسائر قطاع الكهرباء
كانت خسائر قطاع الكهرباء كبيرة جداً نظراً لدوره في التأثير على القطاع الصناعي والزراعي وكافة القطاعات الأخرى، وخاصة أن إعادة تأهيل مكونات قطاع الكهرباء تعد التحدي الأهم الذي يجب أن يكون في المرحلة الأولى، علماً أن الاعتداءات على خطوط نقل الغاز لمحطات توليد الكهرباء كانت السبب الرئيسي وراء انقطاع التيار الكهربائي، ويكفي أن نذكر أن ما دفعه السوريون من تكاليف لتأمين الكهرباء البديلة من خلال بطاريات وليدات ومولدات وصل إلى /4/ مليار دولار لتصل الخسائر إلى /28/ مليار دولار، فيما تقدر الأضرار التي لحقت بالاقتصاد السوري نتيجة انقطاع التيار الكهربائيّ بنحو /2,2/ مليار دولار
 
خسائر قطاع النفط:
منذ بداية الحرب، غادرت /14/ شركة نفطية الأرض السورية، وكانت تنتج سورية نحو /100/ ألف برميل يومياً، إلى جانب /7/ ملايين متر مكعب من الغاز، ما أدى إلى رفع خسائر قطاع النفط إلى /27/ مليار دولار، حسب تقديرات عام /2015/ ومن المهم الإشارة إلى أن أثر العقوبات الأميركية على سورية، وفي قطاع النفط ومشتقاته كان محدوداً بداية الأمر، إلا أنه عندما لجأت الولايات المتحدة إلى معاقبة أي شركة قد ترتبط بعلاقات تجارية مع الحكومة السورية، فأتت العقوبات الأوروبية لتوقف تصدير /150/ ألف برميل يومياً كانت تتجه إلى أسواق دول الاتحاد الأوروبي، ما يعادل /5/ مليارات دولار سنوياً، ونحو /35%/ من إجمالي الصادرات.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن قطّاع الصناعة الاستخراجية تعرّض لأضرارٍ هائلةٍ خلال الحرب، بسبب الإرهاب المسلح الذي أدّى إلى تدمير البنى التحتية وبسبب نظام العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية منذ العام 2011 كما أن تقنيات الاستخراج البديلة التي لجأ إليها تنظيم داعش تسبب بأضرارٍ هائلةٍ للبيئة وللاحتياطيات النفطية، ولقد قدرت وزارة النفط والثروة المعدنية قيمة الأضرار بنحو /27/ مليار دولار.
 
خسائر القطاع المصرفي:
يعد القطاع المصرفي من أشد القطاعات تأثراً بالحرب، حيث خرجت فروع المصارف العامة والخاصة عن الخدمة في مناطق التوتر، وتوقفت عن أداء خدماتها للمتعاملين، كما توقف المصارف عن إقراض المتعاملين، وباتت القروض المتعثرة بحكم الديون الميتة، وتوقف تحصيل الأموال في مناطق التوتر، وانخفضت القوة الشرائية للعملة الوطنية، وجرى فرض عقوبات أمريكية بمنع التعامل المالي مع المصارف السورية، ما أدى إلى خسائر غير مسبوقة في القطاع المصرفي وصلت إلى /9/ مليار دولار.
 
خسائر الليرة السورية:
أدى الضغط الاقتصادي خلال الحرب إلى تراجع سعر صرف الليرة السورية، ومع ضخ التنظيمات المسلحة للعملة الصعبة، المزورة أحياناً في المناطق التي كان يسيطرون عليها.
وتكشف متابعة مراحل انخفاض الليرة السورية خلال الحرب، أن السنة الأولى سجلت انخفاضاً لقيمة الليرة أمام الدولار من /48/ ليرة إلى /60/ ليرة، وفي الثانية من /60/ إلى /85/ ليرة، لتتابع في الثالثة من /85/ إلى /150/ ليرة، وفي الرابعة انخفضت من /150/ إلى /190/ ليرة، كما انخفضت في الخامسة من /190/ ليرة إلى /300/ ليرة ومع بداية السادسة انخفضت من /300/ ليرة إلى /440/ ليرة، ونلاحظ أن نسبة التدهور كانت أقل من /100%/ نسبة إلى سعر الصرف في السوق السوداء مع كل انخفاض.
ومع دخول الاقتصاد بمرحلة التضخم الجارف في صيف /2015/ سجل الهبوط من /190/ إلى /440/ ليرة، ليصل إجمالي نسبة التدهور إلى /1000%/ وتم قياس سعر الصرف بحسب السوق الذي تتوفر فيه العملة الصعبة، وهو السوق السوداء.
وبالمقابل، استمرّ مصرف سورية المركزيّ في التدخل المباشر وغير المباشر في سوق القطع الأجنبيّ، بهدف التخفيف من الضغط المتزايد على الليرة السورية، ولجأ عدّة مرّاتٍ إلى بيع كميةٍ من احتياطياته بالدولار الأمريكيّ، لشركات الصرافة المرخّصة من أجل الحؤول دون استمرار التدهور في قيمة الليرة، وكان لهذه التدخلات أثرها المحدّود في منع المضاربة بسعر الصرف أو في الحدّ من نشاطات السوق السوداء.
 
خسائر قطاع التجارة:
واجه قطّاع التجارة عقبات كبيرة منذ بداية الحرب ولازال، انعكست آثارها السلبية بارتفاع الأسعار بمعدّل تجاوز /5/ مرّات في المحافظات الآمنة أو شبة الآمنة، وبمعدّل /50/ ضعفاً في المناطق الساخنة، وكان أوّل ما تأثر به قطّاع التجارة هو العقوبات التي فُرضت على عدد من رجال الأعمال ممن كانوا يرفدون السوق بكميات كبيرة من البضائع، إضافة إلى العقوبات المفروضة على الحركة التجارية الخاصّة بالمؤسّسات الحكومية.
كما تأثر قطّاع التجارة بمنع التعامل مع رجال أعمالٍ سوريين ومنع تحويل الأموال إلى سورية، وأخذ التجّار يبتكرون أساليب جديدةً مكلفةً للتحويل وفتح الاعتمادات المصرفية، وكان لارتفاع سعر الصرف أثره السلبيّ على قطّاع التجارة، رغم استفادة بعض فئاتٍ التجار منه.
كما زادت الإجراءات الحكومية من تعقيدات قطّاع التجارة، فجاء التوجّه الرسميّ بترشيد الاستيراد، وهو توجّهٌ يرى بعض الاقتصاديين أنه جيدٌ حين يتم السماح باستيراد المواد الأولية والأساسية بالدرجة الأولى، ثم يتبعها استيراد مواد أخرى، لكن الذي حدث أن وزارة الاقتصاد في دمشق قلما منعت دخول بضاعةٍ إلى سورية، فصارت تسمح بجميع المواد تحت شعار ترشيد الاستيراد، أما المواد التي تمنعها فكانت تدخل بطرقٍ ملتوية، وهذا ما يفسّر أن السوق السورية لم تفتقد إلى الكماليات.
ولقد عانى قطّاع التجارة من القيود المفروضة على النقل والعمليات المالية، وندرة السلع ولا سيما في المناطق المحاصرة، وضعف القوّة الشرائية، ولجوء التجار إلى ممارسة الاحتكار في الأسواق، وبلغت الخسائر التي أصابت قطّاع الأعمال السوريّ خلال الحرب /750/ مليار ليرة.
كما خسائر قطاعات أخرى ، مثل القطاع الإداري /10/ مليار دولار، وقطاع الشؤون الاجتماعية /7/ مليار دولار، ومعيشة المواطن /30/ مليار دولار، وقطاع الصحة /37/ مليار دولار، وقطاع التعليم /21/ مليار دولار، والبيئة /17/ مليار دولار.
 
العقوبات وجه آخر للحرب:
يعد قيام دولة ما أو مجموعة دول باستخدام العقوبات والحصار الاقتصادي وأدوات التدخل السلبي في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية الداخلية لدولة مستقلة بدون وجه حق، سلوكاَ جرمياً وإعلان حرب، وينضوي ذلك تحت عنوان “الإرهاب الاقتصادي الدولي”، خاصة إذا ما تعارض مع القوانين والأعراف الدولية والدبلوماسية، وطالما أن هذه العقوبات الاقتصادية كانت قسرية ومؤذية، وأثرت على النساء والأطفال والشيوخ.
ويعد الحصار الاقتصادي المفروض على الشعب السوري والعقوبات الاقتصادية على سورية وجه آخر للحرب، لا بل أكثر، لأنها تهدف إلى إفقار الشعب وتزيد من حالة التردي الاجتماعية، وتعاقب الشعب السوري على خياره السياسي، علماً أن فرض العقوبات الاقتصادية على سورية كان قد بدأ قبل أكثر من أربعين عاماً، ومن بينها، “قانون محاسبة سورية” بسبب مواقف سورية الوطنية والقومية من قضايا المنطقة والعالم.
وأدت العقوبات إلى تقييد حركة مصرف سورية المركزي وتجميد الأرصدة السورية وإيقاف التبادل التجاري الحكومي، الأمر الذي ترك آثاراً سلبية على الاقتصاد، ولاسيما على البطالة وأسعار الصرف والنفط والتضخم.
 
ما هي العقوبات المفروضة على سورية:
إن معظم ما يشار إليه كعقوبات اقتصادية على سورية هو من الناحية التقنية إجراءات اقتصادية قسرية أحادية الجانب، ودرجت الإشارة إليها بالعقوبات الاقتصادية وهي:
العقوبات الأمريكية:
وتشمل تجميد أرصدة المصرف التجاري السوري، والمصرف التجاري السوري اللبناني، وفرض حظر اقتصادي على البنك العقاري السوري، وبنك سورية الإسلامي، وتجميد كافة أصول الحكومة السورية الموجودة في الولايات المتحدة، ومنع الأميركيين من التصدير إلى سورية والاستثمار فيها، وعقوبات على الشركة العامة للنفط، والشركة السورية لنقل النفط، والشركة السورية للغاز، وشركة سيرونيكس.
 
عقوبات الاتحاد الأوروبي:
والتي كان لها الأثر السلبي الأكبر على سورية لأن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك الأكبر في مجال التجارة الخارجية، ولقد أثرت العقوبات في العديد من المجالات والقطاعات، ومنها: إيقاف شراء السندات السورية والتعاون المالي، ومنع البنوك السورية من أي تعامل لها مع بنوك أوروبا أو فتح فروع لها في أوروبا، وتجميد إمكانية الاستفادة من تسهيلات بنك الاستثمار الأوروبي، ووقف كل أشكال التعاون التجاري والتقني، ووقف أي دفعات ومساعدات من البنك الأوروبي للاستثمار، وتجميد العمل باتفاقية التعاون بين سورية ودول الاتحاد الأوروبي، وإلغاء مشاركة سورية في برنامج الإتحاد الأوروبي للمنطقة، ووقف العقود الحالية للاتحاد الأوروبي مع سورية، ومنع المشاركة في مشاريع البنية التحتية في سورية أو الاستثمار فيها، وحظر شراء واستيراد ونقل النفط الخام السوري أو منتجاته، ومنع التعامل مع المصرف التجاري السوري، وتجميد أرصدة مصرف سورية المركزي، ومنع إجراء أية تعاملات بالذهب والمعادن الثمينة الأخرى، وفرض حظر على طائرات الشحن السورية وشركة الطيران العربية السورية، وتجميد أرصدة المؤسسة العامة للتبغ وشركة النفط السورية وشركة “محروقات” والشركة السورية لنقل النفط ومؤسسة تسويق الأقطان وعلى العديد من الوزارات.
عقوبات جامعة الدول العربية:
وتضمنت وقف التعاملات المالية مع مصرف سورية المركزي والمصارف الحكومية السورية ومنع جميع التعاملات المالية ووقف تمويل المشروعات الاستثمارية، ومنع الرحلات الجوية من والى سورية، وتجميد الأرصدة المالية للحكومة ووقف المبادلات التجارية الحكومية مع الحكومة السورية، وتجدر إلى وجود عقوبات فرضتها بعض الدول مثل العقوبات التركية والسويسرية والاسترالية والكندية واليابانية.
 
من يتأثر بالعقوبات الاقتصادية على سورية؟
إن المواطن السوري هو أكثر متضرر من فرض العقوبات، في كل المناطق السورية، ومن دون ن استثناء، إضافة إلى القطاع العام، بما في ذلك الشركات الحكومية، والقطاع الخاص الذي تأثر بسبب العقوبات المالية والتجارية، والمغتربين السوريين والمؤسسات السورية خارج سورية، وبسبب العقوبات المالية، فقد تعرض الكثير من السوريين لإغلاق حساباتهم البنكية في الخارج، وشمل الإغلاق حملة الجنسيات الأوربية من أصل سوري.
وأما فيما يتعلق بتأثيرات العقوبات السلبية على دول الجوار، فلقد تركت عقوبات الدول العربية آثارها ليس على الاقتصاد السوري فحسب بل على بلدان الجوار لاسيما الأردن ولبنان وتركيا وخاصة إلغاء اتفاقية التجارة الحرة الأردنية السورية وتوقف تصدير القمح والكهرباء وتوقف التصدير عبر ميناء اللاذقية، وكان الخاسر الأكبر بهذه العقوبات هو تركيا على اعتبار أن سورية والعراق هما منفذيها الوحيدين باتجاه الخليج العربي، كذلك لبنان والعراق اللذين كانا من أكثر المتضررين نتيجة العقوبات العربية ولم يصوّتا في الجامعة العربية على العقوبات التي فرضت على سورية.
 
كيف واجهت سورية الحصار:
لأن الصادرات هي المحرك الأساسي للنمو، فقد أدت العقوبات الاقتصادية على هذا القطاع إلى لجم النمو وزعزعة الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في سورية وتجويع الشعب السوري، ما دفع الحكومة السورية إلى إيجاد أسواق بديلة والتوجه شرقاً، إضافة إلى قراراتها الإسعافية والحكيمة التي ساهمت بصمود العديد من القطاعات الاقتصادية خلال سنوات الحرب سواء الزراعية أم الصناعية والخدمية، ويعود هذا الصمود إلى صمود المواطن السوري في أرضه وممارسته لعمله وتقديم الخدمات على الرغم من المعاناة القاسية والصعبة.
ومع ذلك، فقد تسببت العقوبات والحصار الاقتصادي بانخفاض حجم التجارة الخارجية خلال سنوات الحرب ليصل إلى ما بين /25=35%/ بالمقارنة مع سنوات ما قبل الحرب، كما تغيرت وجهة الصادرات والمصدر الجغرافي للواردات، وتراجعت الواردات من الدول العربية ومن دول الاتحاد الأوربي مقابل ازديادها من الصين وبلدان آسيا الأخرى، وأدى إعاقة التحويلات المالية الخارجية، وارتفعت تكلفتها إلى لجوء الفعاليات الاقتصادية إلى فريق ثالث وأحياناً رابع وخامس لإتمام الصفقات التجارية من استيراد وتصدير.
وارتفعت تكاليف الشحن وبوالص التأمين للواردات والصادرات، مما رفع أسعار المستوردات على المنتج والمستهلك السوري، وقلل تنافسية الصادرات السورية، ورفع نسبة التضخم وتكلفة وأسعار المنتجات المنتجة والمحلية، وأضعف القوة الشرائية للمستهلك وخاصة العاطل عن العمل والضعيف ومحدود الدخل، والذين بمجملهم يشكلون أكثر من /80%/ من الشعب السوري، إضافة إلى إضعاف الثقة بإمكانية التعامل مع المستورد والمصدر السوري، وتأجيج نسب ومعدلات التضخم بما في ذلك “كسبب ونتيجة” ارتفاع أسعار القطع الأجنبي، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وبالتالي تراجع مستوى المعيشة والقوة الشرائية ومستوى المعيشة للشرائح العريضة والضعيفة من المواطنين السوريين.
 
ملاحظات ختامية:
يوصف الاقتصاد السوري بأنه متعدد الموارد ويعتمد بشكل أساسي على الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة والخدمات، حيث تشكل الزراعة /17%/ من نسبة الموارد السورية،  والصناعة /26%/ وقطاع الخدمات /60%/ وتمتاز سورية بميزة الاكتفاء الغذائي الذي يمكنها من مقاومة أي ضغط أو حصار.
كما يكشف واقع التجارة الخارجية في سورية أن الأسواق العربية تستقطب حوالي /40%/ من إجمالي الصادرات السورية، ويعد العراق السوق الأكبر للصادرات السورية يليه السوق اللبناني بنسبة /12%/ مما يعني أن السوق العربية هي الأهم بالنسبة لسورية، أما بقية الصادرات فهي تذهب إلى أوروبا ودول آسيا وإفريقيا وأميركا الجنوبية ودول جنوب وشرق آسيا إضافة إلى روسيا وإيران، وهذه الأسواق مجتمعة يمكن أن تكون البديل للسوق الأوروبي.
وتجدر الإشارة إلى أن سورية لا تعاني من مديونية ترهق اقتصادها وتجبرها على إتباع وصفات تفرضها الدول الدائنة، وهذا يمنحها مرونة كبيرة في تحديد خياراتها، مما يساعد إلى حد كبير في احتواء العقوبات والأزمة المالية والاقتصادية.
ونختم بأن الحرب ظرفاَ غير عادي يتطلب إجراءات غير عادية وقرارات شجاعة وحكيمة وقدرة على ابتكار الحلول والآليات التنفيذية والبحث عن أسواق جديدة لدى الدول الصديقة وتشجيع المبادلات التجارية لها وخاصة مع الأصدقاء ودول البريكس وغيرها، وبالتالي فإننا نجد أن الحصار الاقتصادي يشكل حافزاً على الإبداع وتنمية الموارد.
ويبقى السؤال: هل بالإمكان تعافي الاقتصاد السوري؟.
ونجيب بـ/نعم/ وهي مهمة صعبة تستدعي وضع خريطة طريق تتضافر فيها جهود جميع السوريين والأصدقاء.
 
 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

13 + = 22