“صنع في الصين 2025″ و”الثورة الصناعية الرابعة”

 

في ظل الضغوط الناجمة عن التباطؤ الاقتصادي والعناصر الكثيرة غير المحددة، كيف نقدم قوة محركة جديدة للنمو الاقتصادي؟ هذا السؤال جعل موضوعي “الثروة الصناعية الرابعة” و”صنع في الصين 2025″ اللذين تمت مناقشتهما في دورة منتدى بوآو الآسيوي لعام 2017، يجذبان أنظار العالم.
فرص متساوية في الثورة الصناعية الجديدة
خلال دورتي المجلس الوطني لنواب الشعب والمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني (الدورتين) في مارس 2017، أبدت صحيفة ((نيويورك تايمز)) الأمريكية وغرفة التجارة للاتحاد الأوروبي في الصين قلقا من أن خطة “صنع في الصين 2025” التي يبلغ حجم استثماراتها ثلاثمائة مليار دولار أمريكي وتقدم الحكومة بمقتضاها دعما ضخما لعشرة قطاعات، ستؤدي إلى خروج المؤسسات الأجنبية من السوق الصينية. فما حقيقة ذلك؟
في مارس 2017 أيضا، أصدر منتدى دافوس الاقتصادي العالمي تقريرا بعنوان “تشكيل مستقبل الإنتاج” بالتعاون مع شركة الاستشارات الإدارية العالمية “ايه تي كيرني”. أوضح هذا التقرير، من خلال استطلاع القطاعات ومؤسسات الأبحاث الرائدة والمنظمات غير الحكومية في خمس وعشرين دولة، أن خمس تقنيات هامة، هي شبكة إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة والأجهزة التي يمكن ارتداؤها والطباعة الثلاثية الأبعاد، ستسرع خلق القيمة، وأن أثر قطاع التصنيع على الهيكل الاقتصادي ووضع التوظيف على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية والمحلية، لن يكون منفصلا عن حماية البيئة والتنمية المستدامة.
كما أشار هذا التقرير إلى أن عددا غير قليل من دول ومناطق العالم أدركت أهمية قطاع التصنيع، وشرعت في برامج إدراج التقنيات المذكورة سابقا في قطاع التصنيع المحلي بها. وتشمل الاستراتيجيات النموذجية للتنمية الوطنية “شبكة الإنترنت الصناعية” الأمريكية وبرنامج “المصانع المستقبلية” للاتحاد الأوروبي و”الصناعة 4.0″ الألمانية و”صنع في الصين 2025″. سيبلغ حجم استثمارات “صنع في الصين 2025” أكثر من ثلاثة مليارات دولار أمريكي في قطاع التصنيع المتقدم، أما برنامج “المصانع المستقبلية” للاتحاد الأوروبي، فسيستثمر سبعة مليارات يورو فيه.
خلال البضع عشرة سنة الأخيرة، حقق قطاع التصنيع الصيني تطورات ملحوظة في العالم. الصين لم تتقدم إلى الصفوف الأولى في العالم في مجالات السكة الحديدية الفائقة السرعة والأجهزة المعمارية الهندسية والاتصالات والطائرات بدون طيار فحسب، وإنما أيضا احتلت مكانة رائدة في تلك المجالات. ومن المتوقع، خلال الخمس أو العشر سنوات المقبلة، أن تحقق الصين اختراقات في مجال محركات الطائرات العسكرية والمدنية وطائرات الخطوط الجوية. في الحقيقة، يحتل حجم السوق الصينية للسيارات والسكك الحديدية الفائقة السرعة ونقل وتحويل الكهرباء وتوليد الكهرباء وغيرها مكانة متقدمة في العالم. لقد خلقت هذه الأسواق الجبارة تفوقات عظيمة غير مسبوقة لمشاركة الصين في الثورة الصناعية الرابعة. تهدف خطة “صنع في الصين 2025” التي تبلغ مدتها عشر سنوات، إلى تحويل الصين من دولة كبيرة إلى دولة قوية في قطاع التصنيع، ودفع الاقتصاد للحفاظ على معدل نمو بين متوسط وعال، ورفع مكانة الصين ودورها في سلسلة القيمة العالمية.
فرص وتحديات مشتركة لتنمية العالم
في ظل الثورة الصناعية الجديدة، سيجلب الطلب الضخم على التصنيع الذكي والتقنيات الذكية للتنمية المنخفضة الكربون تغيرات ثورية لنمط الإنتاج والتنظيم. وستتم إعادة ترتيب عناصر الموارد والسلاسل الصناعية، وسيقود التصنيع الذكي والتصنيع الأخضر الترتيب الجديد للصناعات العالمية.
قال نيكلاس غوستافسون، مسؤول التنمية المستدامة بمجموعة فولفو: “الثورة الصناعية الرابعة تجعل الإنسان يتقدم إلى الاتجاه المستدام بمساعدة التصنيع الذكي وتكنولوجيا النانو وتقنية الروبوتات، مثل معالجة زحام المواصلات وغيرها من المشكلات بالأسلوب الأخضر والصديق للبيئة والمستدام.”
تسنغ تشينغ هونغ، رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات قوانغتشو المساهمة المحدودة للسيارات، قال: “قطاع التصنيع التقليدي تواجهه فرصا جيدة لتطوير التصنيع الذكي، ولكنه يواجه أيضا تحديات جمة. استخدام الذكاء الاصطناعي في تقنية قيادة السيارة الذكية سيؤدي إلى اندثار الصناعات التقليدية وأمن الشبكة المعلوماتية وسباقات الذكاء بين الإنسان والآلية. إن هناك تحديا آخر وهو مشكلة التوظيف، فإذا حققت الثورة الصناعية الرابعة الذكاء الاصطناعي والأتمتة، فمن الممكن أن تختفي سبعة ملايين وظيفة في الخمس سنوات المقبلة، وذلك أحد التحديات الكبيرة.”
بالنسبة لهذه المشكلة، قال السيد غوستافسون: “لماذا نقوم ببحوث وتطوير التقنيات؟ في رأي أن ذلك من أجل الترابط والتواصل، والإنسان يلعب الدور الرئيسي في المجتمع، وتُستخدم الآلات والروبوتات في دعم وتواصل الناس. في المستقبل، سيرتبط الاقتصاد والبيئة والمجتمع بالإنسان عن طريق التنمية المستدامة، ومفتاح ذلك هو الإنسان نفسه. ومهما كانت التقنيات متقدمة في المستقبل، لن ننسى أن الإنسان يلعب الدور الرئيسي الحقيقي دائما.”
كيفية بناء نظام ابتكاري لإعداد أكفاء من نمط جديد ذوي أفكار إبداعية، وتقديم مشروعات سريعة ومرنة لحل المشكلات التي حدثت في أي وقت، ذلك يمثل التنمية المستدامة والفرص والتحديات التي تواجه دول العالم.
التعاون والإبداع.. الفرص أكبر من التحديات
بفضل التطور الذي حققته الصين في السنوات الأخيرة، تقدمت من الطرف المنخفض إلى الطرف المتوسط والمرتفع في السلسلة الصناعية العالمية، وصار خروج المؤسسات الصينية إلى العالم والسوق الدولية أمرا حتميا. التنمية المستقبلية هي التعاون والإبداع بين المؤسسات الصينية والأجنبية.
في الثالث والعشرين من ديسمبر 2015، وافق مجلس الدولة الصيني على ((خطة بناء حديقة شنيانغ الصناعية الصينية- الألمانية لصنع المعدات الراقية)). تقع هذه الحديقة في حي تيشي بمدينة شنيانغ، حيث توجد المنطقة الأكثر كثافة لتصنيع الأجهزة في شمال شرقي الصين. في الحديقة 482 مؤسسة، منها أكثر من مائة مؤسسة عابرة للقارات وأكثر من خمسين مؤسسة مدرجة في قائمة أقوى خمسمائة شركة عالمية، وفيها شركة بي إم دبليو وشركة باسف، وغيرهما من اثنتين وعشرين شركة ألمانية لها استثمارات في شنيانغ. وباعتبارها استراتيجية وطنية، ستتحمل حديقة شنيانغ الصناعية الصينية- الألمانية لصنع المعدات الراقية مهمة تعزيز التعاون العميق في قطاع التصنيع بين الصين وألمانيا، وتحقيق الاندماج العميق بين المعلوماتية والتصنيع وإنجاز بناء منطقة نموذجية للتصنيع بالنمط الجديد، لتكون منطقة لتصنيع الأجهزة على المستوى العالمي. حتى الآن، تم بناء 35 مشروعا عاما و74 مشروعا هاما، منها عشرة مشروعات للتصنيع الذكي وأربعة عشر مشروعا لتصنيع الآلات المتقدمة وثلاثون مشروعا لإنتاج السيارات وأربعة عشر مشروعا لخدمات الصناعة.
غولان كوك، كبير خبراء قطاع التصنيع في شركة إس إيه بي الألمانية للبرمجيات، قال إن المؤسسات الصينية والألمانية عليها أن تدعم تحول قطاع التصنيع إلى التصنيع الذكي والارتقاء بمستوى الاستفادة من خطة “الصناعة 4.0”. وقال تشانغ تيان جيون، الرئيس التنفيذي للفرع الأوروبي لمجموعة شنيانغ للماكينة إن تحقيق قطاع التصنيع التقليدي ثورة صناعية جديدة باستخدام شبكة الإنترنت، مرحلة هامة لارتفاع المستوى الذكي.
كما أشار تشانغ قاو لي، نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، في كلمة له في دورة منتدى بوآو الآسيوي لعام 2017 إلى أن الصين تنفذ استراتيجية الانفتاح على الخارج بثبات. ووقال إن الصين ستُبقي باباها مفتوحا على الخارج، وسيزداد انفتاحها أكثر مع تطورها. وأضاف: “سنعمل بقوة على تحسين بيئة الاستثمار للتجار الأجانب، وتخفيف القيود المفروضة على استثمار التجار الأجانب في قطاعات الخدمات والتصنيع والتعدين، ودعم المؤسسات الأجنبية المستثمرة للتسجيل في البورصة وإصدار السندات داخل الصين، ومعاملة المؤسسات المحلية والأجنبية التمويل على قدم المساواة دون تمييز في مجالات تشمل منح شهادات الأهلية ووضع المعايير والمشتريات الحكومية والتمتع بسياسة “صنع في الصين 2025”.

المصدر: مجلة “الصين اليوم”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 + 4 =