سورية بارومتر العالم.. وضحيّة النزعة التدخليّة لدى الليبراليّة الجديدة والمحافظين الجدد

برونو درويسكي
 
لأسبابٍ تاريخية وثقافية ودينية وسياسية وجيوسياسية، تقع سورية في قلب المواجهة بين الرؤى العديدة للعروبة والإسلام، إن نتيجة الصراع الجاري حالياً سوف تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل العالم، لأنه هنا تتواجه قوى الغرب المأزومة مع القوى الحركية لأوراسيا.
الكثير من المسلمين يعتبرون أنه في سورية ستدور المعركة الأخيرة  بين قوى الخير وقوى الشر، وأن المسيح سوف يظهر من جديد في الأرض على مئذنة من مآذن الجامع الأموي في دمشق ليقيم السلام والعدل من جديد في أرجاء الكون. ومثلما جرى، أيام الغزو المغولي للشرق الأوسط، والذي اجتاح العراق، ودمر بغداد ثم حلب، بينما صمدت دمشق وقاومت، فإن الوعي التاريخي والديني لدى السوريين، بقدوم المسيح، يعزز الانطباع لديهم بأن بلادهم شكلت، منذ غابر الأزمان، ساحة المواجهة المتجددة بين قوى الحضارة وقوى الظلام. وهو أمر فهمه “الإسلاميون” على طريقتهم، حيث فرضوا على هذه البلاد حرباً أرادوا من خلالها إحياء “الخلافة” التي تتجه اليوم نحو الانهيار، الأمر الذي يبدو أنه سيعطي زخماً جديداً للقومية العربية المتحررة من الارتهان الطائفي.
بعد “الثورات الملونة” في أوروبا الشرقية واللحظات العفوية الأولى لـ “الربيع العربي”، اندلعت شرارة الحرب الغربية بالوكالة في ليبيا أولاً، بعد ذلك تم إرسال الأسلحة والمجموعات المقاتلة التي تلقت التمويل من الناتو وحلفائه العرب من أجل تدمير ذلك البلد إلى سورية، حيث بدأت، هناك أيضاً، حرب التدخل الخارجي، وتمت تسميتها “ثورة”، وبعد ذلك “حرباً أهلية”.. حرب لم يكن لها أن تحدث لو لم يكن هناك أوامر تأتي من الخارج، وبشكل رئيسي عبر “تعليمات أيام الجمع”، والتي كان يتم توزيعها في بعض المساجد عبر قناة الجزيرة الموجودة في قطر في ظل أكبر قاعدة أمريكية في بلد مسلم.. حرب لم يكن لها أن تحدث أيضاً لولا توافر كميات هائلة من المال، والسلاح، والمرتزقة الذين يتلقون التمويل الجيد، أو الحمقى الذين تم تجميعهم من جميع الضواحي المهملة بشكل متوارث من قبل السلطات العربية أو الغربية التي لم تقم بمسؤوليتها من الناحية الاجتماعية.. هذه الحرب لم يكن لها أن تحدث كذلك لولا المخدرات وأموال المخدرات، خصوصاً الكبتاغون الذي يحرر من الخوف والألم، ومن القيود الأخلاقية، وهذه الحرب لم يكن لها أن تحدث بكل تأكيد لو لم تسعى قطر، وآل سعود، وتركيا و”إسرائيل”، الذين كانوا يلعبون سويةً، إلى مدِ خطٍ للغاز يصل إلى أوروبا عبر سورية ما يسمح للغاز القطري، والإسرائيلي ربما،  بمنافسة الغاز الروسي، والإيراني ربما.
في آذار 2011، إذن، تم إعطاء الإشارة لانطلاقة هذه الحرب الطويلة التي يبدو أنها تسير إلى نهايتها الظافرة للدولة السورية، ما لم تتدخل القوى الغربية، التي استماتت لتدمير هذه الدولة، بشكل مباشر هذه المرة، من أجل تفادي هزيمة عملائها المحليين، وهو أمر يحمل مخاطر اندلاع حريق عالمي. في التحضير لهذه الحرب، تم اللعب بالرأي العام المضلل عبر العزف على مشاعر التعاطف التي أثارتها الجماهير التونسية والمصرية التي هبت ضد الفقر، وامتهان الكرامة الوطنية، وضد الدكتاتورية. وتم زرع القناعة بأن نفس الحركة توسعت لتشمل ليبيا وسورية. ساعد على ذلك تلك المسرحيات عن المسيرات التي تمت فبركتها في استديوهات الجزيرة، أو اللقطات عبر الهواتف المحمولة التي يمكن التلاعب بها من أجل إعطاء الانطباع عن إطلاق الرصاص من قبل الشرطة، أو التلاعب بحجم الحشود، لكن الجزيرة، التي أظهرت أنها قادرة على تصوير المظاهرات الحاشدة في ميدان التحرير في القاهرة عبر القمر الصناعي حين منعتها السلطات المصرية من البث المباشر، عجزت عن ذلك في بنغازي وطرابلس الغرب، وبعدها في دمشق وحلب أو حماة! والسبب في ذلك أن المظاهرات الحاشدة التي حدثت حينها في هذه المدن كانت مؤيدة للحكومة، بينما كانت مظاهرات المعارضة ضعيفة جداً في الكثير من الحالات. من جهة أخرى، فإن تصوير هذه المظاهرات بالقمر الصناعي قد يتيح كشف أماكن القناصين المختبئين (من الذي مولهم وسلحهم؟) الذين كانوا يطلقون النار على قوات الأمن وعلى المتظاهرين في نفس الوقت، وهو السيناريو الذي شاهدناه لاحقاً في كييف وكاراكاس. أصبح معروفاً اليوم، وبواسطة شهود شاركوا هم أنفسهم في المظاهرات، أنه تم دفع الأموال للمتظاهرين، وهي أموال كانت تأتي من الخليج، ويتم توزيعها في المساجد، حيث فضل الأئمة الخضوع للعجل الذهبي بدل الحكومة الوطنية.
هذه الحقائق لا تعني التشكيك بحقيقة أنه كان هناك لدى جزء من الشعب السوري أسباب لتوجيه اللوم إلى حكومته التي خضعت بعض أقسامها بسهولة، خلال سنوات الـ 2000، لرياح الليبرالية، حيث قامت بـ “تحرير أسعار” المواد الغذائية الأساسية في الوقت الذي كانت فيه البلاد تواجه موجة من الجفاف أدت إلى تضاؤل الإنتاج الزراعي. وفي الواقع، تم انتقال الكثير من كوادر السلطة، خلال سنوات الـ 2000، من الخطاب المؤيد للاشتراكية إلى خطاب مؤيد لـ “اقتصاد السوق الاشتراكي”، لينتهي الأمر بخطاب مؤيد لـ “اقتصاد السوق الاجتماعي”. كان ذلك انزلاقاً لغوياً ذا دلالة، تم التشجيع عليه من قبل جزء من الكوادر السورية. وهذا ما يفسر تأكيد الرئيس الأسد، خلال  أول مؤتمر لحزب البعث بعد بداية الحرب، أن الحزب قد أهمل قاعدته الاجتماعية المفضلة (العمال والفلاحين). ففي تلك الأرياف البعيدة والضواحي القريبة من المدن الكبرى، كان يمكن العثور على أكبر كمية من الساخطين، وليس في مراكز المدن، حيث كانت تدور المظاهرات من أجل ثورة “ديمقراطية سلمية” تتوافق مع مناهج “تغيير النظام” التي اخترعها الباحثان الاستراتيجيان الأمريكيان جين شارب وجوزيف ناي. لقد ركزت وسائل الإعلام الكبرى، وهي بيد المصالح المالية المعولمة، على مقولة “النظام يقتل شعبه”.. إنها قضية “عادلة” يجب دعمها بالنسبة للنخب المعولمة، اليمينية أو اليسارية، والتي اتحدت جميعها منذ تفكك المعسكر الاشتراكي في إجماع صلب كالخرسانة تم تأسيسه على يد “المحافظين الجدد” الأنغلو/ أمريكيين الذين أصبح يطلق عليهم مؤخراً “التدخليين الليبراليين”. واليوم، ومقابل التضارب الواضح الذي يعيق عمل المؤسسات بشكل طبيعي في الولايات المتحدة والبلدان الحليفة لها، منذ الانتخابات الرئاسية التي لم تأت نتيجتها كما هو متوقع، يتأكد بروز “الدولة العميقة” على ضفاف نهر بوتوماك، التي تسعى لاستعادة السيطرة على الوضع، حيث أمكنها ذلك، على الأقل، في الولايات المتحدة، ولكن هذا ما تأكد حدوثه في فرنسا أيضاً من خلال المهزلة الانتخابية الرئاسية والتشريعية.
في سورية، كان الشعار الذي تم تكراره منذ ستة أعوام، والذي أصبح مستهلكاً اليوم “النظام يجب أن يرحل”، وكان يتم الإعلان عن سقوطه الوشيك خلال شهر أو أسبوع أو الساعات المقبلة. أصحاب القلوب الطيبة ظاهرياً، والذين ذرفوا الدموع بشكل انتقائي على مصير السوريين المساكين، طُلب إليهم أن يتناسوا عذابات غزة واليمن والبحرين، وأفغانستان التي لاتزال محتلة دون أي نجاح، وعذابات الأطفال العبيد في مناجم الشركات المتعددة الجنسية في الكونغو وغيرها من “الفراديس” التي دبرها النظام، أو بالأحرى الفوضى الرأسمالية المعولمة. كان المشهد السمعي البصري بكليته يركز إطلاق رصاصه الحي على “المجزرة” دون أن يمتلك أي صحفي من وسائل الإعلام الرئيسية شجاعة الذهاب إلى سورية  لمقارنة الخطاب المهيمن مع الواقع هناك، وهو أمر ممكن القيام به بكل تأكيد، أو شجاعة الذهاب من أجل الالتقاء الحر باللاجئين السوريين في لبنان أو الأردن الذين شاركوا بشكل كثيف في الانتخابات الرئاسية عام 2014، حيث اقترعوا لصالح بشار الأسد في السفارة أو القنصليات السورية. هذه الانتخابات لم يتحدث أحد عنها بالطبع. وفي أماكن أخرى، في الخارج، في “الديمقراطيات” العربية والإسلامية والغربية، تم منع المهاجرين واللاجئين من المشاركة بالعملية الانتخابية، خاصة في فرنسا حيث تم منع السفارة السورية في اليونسكو من استقبال مواطنيها الراغبين بالمشاركة في التصويت.. إنه انتصار للديمقراطية المتعددة المعايير.
لا يملك المحتجون على السياسة الرسمية في الغرب الحق في أن يتم ذكرهم. في الجزء الأكبر من العالم العربي، يتم تشويه صورة الإعلام البديل، والإعلام الروسي والإيراني، بشكل منهجي، على الإنترنت خصوصاً، باعتباره “شمولياً”، لكي لا يمتلك المواطن الحر الجرأة على التفكير بالاستماع والتأمل من تلقاء نفسه بالسماع والمقارنة. يمكن تشبيه الأمر كما لو أنه في سنة 1940، تم التمكن من إقناع الفرنسيين أن إذاعة لندن كانت بيد ديكتاتورية وحشية، وأن إذاعة باريس وحدها، الواقعة تحت سيطرة الألمان، لم تكن تعمل لصالح نظام شمولي أجنبي. إذن كان على الرئيس الأسد أن “يسقط” في ظرف بضعة أسابيع لأنه “سيخسر” دعم شعبه له، ودعم جيشه، ودعم كبار الشخصيات البارزة المدنية والعسكرية التي ستبدل ولاءها لصالح قوى أجنبية، ولكن ذلك لم يحدث. وعلى عكس كل توقعات الاستديوهات ووزارات الخارجية والبنوك المعولمة، صمد أسد دمشق وحيداً رغم كل الصعاب، ولا يزال، في مواجهة الدول الأجنبية التي قدمت لقلب ميزان القوى مع المجموعات المسلحة المدعومة من الخارج، والتي شنت الهجوم على البلاد منذ العام 2011 مستغلةً جيوباً من السخط كانت متواجدة في بعض المناطق التي ضربها الفقر في البلاد، وشهدت تدفقاً  للمال الخليجي. عموماً، مع ذلك، ليس “بشار” من صمد، إنه البلد الحقيقي الذي أصبح الأسد الناطق بلسانه، والمنظم الموهوب له. فخلال عدة سنوات، قاتلت الدولة السورية لوحدها عملياً، وظهرها إلى الحائط، ودون موارد مالية كبيرة. وبعد ذلك أتى الانخراط المتأخر لحزب الله، والذي حصل فقط حين بدأ “الثوار” بمهاجمة طرق إمداد المقاومة اللبنانية التي تمر عبر سورية. إن ذلك دليل على أن الحرب في سورية كانت تهدف قبل كل شيء لتأمين مصالح أولئك الذين يفضلون، في العالم العربي والغربي، مصالح تل أبيب على مصالح شعوبهم.
لم يحاول أحد إذن أن ينير الجمهور في “العالم الحر” أبداً حول السبب الذي يدفع جيشاً من المجندين الذين يتلقون رواتب بائسة هي أقل بمرات عدة من تلك التي يتلقاها المرتزقة الذين يواجهونهم، والذين تدفقوا من حوالي مائة دولة تقريباً (!) لكي يقاتل، ولا يزال يقاتل، من أجل “ديكتاتور يقتل شعبه”. لقد طرحوا في البداية فكرة أن بقاء الرئيس تعود فقط إلى دعم بعض الأقليات الدينية له، والمسيحيون خصوصاً، والذين لم يثيروا، هذه المرة، التعاطف المنافق نفسه الذي يثيرونه في مناطق أخرى من العالم، ما يستدعي من المراقب المحايد أن يسأل: لماذا يخاف هؤلاء إلى هذه الدرجة من الحملان الديمقراطية الوديعة، ومن “الإسلاميين المعتدلين” الذين قدموا لتحرير بلدهم. ولكن 70% تقريباً من السوريين هم من المسلمين، وهي النسبة نفسها بين المجندين الإلزاميين في الجيش، جنوداً وضباطاً وضباطاً كباراً، الذي يقاتل ضد “الثوار”، وضد “الديمقراطيين” و”الإسلاميين”. إذن من الواضح أن هذا الجيش لم يتفكك بكتلته الأساسية، وذلك لأنه جيش الشعب ويتمتع بدعم الشعب. طرحوا أيضاً، في وقت لاحق، فرضية المشاركة العسكرية الإيرانية والعراقية والأفغانية واللبنانية، وحتى الروسية. لكن يكفي أن نتفحص الفصائل العسكرية المتواجدة في كل قطاع من الجبهة، لندرك جيداً أن الجيش السوري هو الذي يخوض المعارك بشكل أساسي، وأن أجزاء الجبهة المتروكة للقوات الحليفة هي أجزاء صغيرة جداً، حتى ولو كان الدور الذي يلعبه الطيران الروسي والمستشارون الروس والإيرانيون ليس بالقليل في هذه الحرب. من جهة أخرى، تم إخفاء تواجد تشكيلات فلسطينية تقاتل إلى جانب السوريين، ومن المعروف أن الفلسطينيين ينتمون إلى العالم الذي يراد له أن يحتشد بشكل موحد خلف ممالك النفط التي تنتمي لعصر آخر، أو خلف تركيا التي خضعت لسياسة غير مستقرة خلال السنوات الأخيرة، ما جعلها تفقد في بضعة أشهر الرأسمال من التعاطف والاستقرار الذي نجحت في جمعه خلال العقد الماضي.
إن الغرب الحقيقي قد دعم على الدوام فكرة أن خصومه لا يدينون في استمرارهم سوى إلى عملية غسل الأدمغة التي تميز الأنظمة المعادية له، والتي توصف بشكل منهجي بأنها “شمولية”، لكن من الواضح أن “وسائل الإعلام الحرة”، خلال الصراعات في ليبيا وسورية، تم ضبطها وهي تروي الأكاذيب الفاحشة تلو الأكاذيب بطريقة منهجية. لكن ذلك لا يهم طالما أن الكذبة (والتي تسميها الجزيرة بكل صراحة “الحرب خدعة”، كاشفةً بذلك عن دورها في التلاعب الإعلامي) لن يتم إفشاء سرها، وأنها حين يتم كشفها من قبل وسائل الإعلام “البديل” لن تؤثر سوى بالعقول النقدية التي يبذل موظفو إعلامنا كل جهودهم من أجل تقديمهم كأتباع لنظرية المؤامرة، أو يمينيين متطرفين معادين للسامية، أو “عملاء لموسكو”، أو ستالينيين من عصر غابر. هذه الوصفة التي شاخت، والتي تبدو كالوجبة المسخنة التي لا يمكن هضمها. وليس هنالك أحد أيضاً يطرح السؤال لمعرفة إن كان “النظامان” الليبي والسوري أكثر “ديمقراطية” أو “تعددية” من أصدقاء الغرب الكبار، أي ممالك النفط ذات الجكم الملكي المطلق في شبه الجزيرة العربية، الثملين بجلسات البورصة والنفط مع زبائنهم من الدول التي لا ترفض لهم طلباً. لقد تم إخفاء كل ما يمكن أن يفسر لماذا يبدي الكثير من السوريين، وقبلهم الكثير من الليبيين، واليوم الكثير من اليمنيين (ونفس الشيء الكثير من الروس، والصينيين، والكوريين الشماليين، والكوبيين وغيرهم) تعلقهم بالسيادة الوطنية، وبوحدة التراب، وباستقلال بلدهم. إن وسائل إعلامنا لا تتحدث عن الدمار الشامل إلا عندما يحدث نتيجة للمعارك التي يخوضها الجيش الحكومي. وبحسب هذا المنطق، يجب على فرنسا أن تطالب الولايات المتحدة بالتعويضات عن الدمار الذي لحق بمدينة كاين، وبالكثير من المدن الفرنسية الأخرى التي تم قصفها من قبل محرريها، واعتبارهم “الحلفاء الذين يقتلون حلفاءهم”.. إنها المعايير المزدوجة.
كان وزير الخارجية الفرنسية الأسبق، والذي لن نذكر اسمه من باب الشفقة علّ التاريخ ينساه، يعلن أن بشار الأسد “لا يستحق أن يعيش”، ولم يبدأ الخطاب “الإسلامي التكفيري” (الإقصائي) بإثارة بعض الشكوك إلا بعد وقت متأخر جداً. في تلك الفترة، تم اختراع أسطورة “المعارضة المعتدلة” لإقامة خلاف وهمي بين عشائر الجزارين المختلفة، والمغتصبين “بالحلال” وقتلة الأطفال. ولكن حتى هذا اليوم، ما خلا بعض المهاجرين منذ وقت بعيد، والمنفصلين عن واقع بلدانهم، والذين يتلقون الأموال بسخاء من الخارج، لم يتم عرض أي واحد من هؤلاء “المعتدلين” على وسائل الإعلام التي لم تتمكن من إقناعنا بزيارة منطقة واحدة “حرة” في سورية. لا تذهب وسائل الإعلام إلى مناطق “المتمردين”، وهم في غالبيتهم ليسوا سوريين، خشية على الحياة، كما لا تذهب إلى المناطق الحكومية حيث تتدفق حشود اللاجئين من المناطق “المحررة” لكي لا يتم الاستماع إلى الوقائع. اليوم أيضاً، ورغم كل الوقائع المتراكمة، خصوصاً منذ تحرير شرق حلب، حيث تم تبشيرنا بالمذابح الجماعية، يستمر مرتزقة الإعلام، عملاء النفوذ المحافظ الجديد، والحمقى الطائفيون والساذجون، بتكرار الخطاب العبثي نفسه، والذي شهدنا مؤخراً الدليل عليه من خلال العريضة التي ظهرت في صحيفة “ليبراسيون”، ووقعها مفكرون موظفون وبعض السذج الذين يتبعونهم، والتي تحتج على المحاولة الخجولة التي قام بها ساكن الإليزيه الجديد من زاوية أكثر عقلانية للوضع السوري. إن أسطورة “الربيع العربي” ما تزال عنيدة، لأن الكثير من اللوبيات والسياسيين والأجهزة الحكومية متورطة به، والاعتراف بالوقائع يعادل القبول بالاعتراف بالأخطاء التي سمحت بشرعنة الجرائم الجماعية، وهو أمر لا يمكن احتماله لا من قبل أولئك الذين بنوا شرعيتهم على مثالية ديمقراطيتهم مقابل الديمقراطيات التي تم وصفها أنها غير كاملة، مثل روسيا وإيران، ولا من قبل هؤلاء الذين أسسوا شرعيتهم على الإسلام المنغلق مقابل الدول الإسلامية التي توصف أنها غير تامة، مثل الدول الإسلامية ذات النظام الجمهوري والعلماني في سورية والعراق وليبيا واليمن. إن بإمكان “الفوضى الخلاقة” التي تم اختراعها في أمريكا أن تستمر.
قامت الممالك النفطية والأنظمة الرأسمالية وتركيا، والإخوان المسلمون كذلك، بتأييد الانحرافات من أجل مصالحهم الاقتصادية والسياسية، أو بسبب العمى الإيديولوجي، وليس بينهم من هو مستعد للقيام بنقد ذاتي، حتى في هذه اللحظة حيث الصراع السعودي القطري، وكذلك الصراع بين إردوغان وغولن، يسمح بإخراج الكثير من الوقائع والجيف المخفية حتى الآن، وبشكل خاص واقع أن خصوم سورية استخدموا ودعموا مجموعات مارست الإرهاب الجماعي والتلاعب الإعلامي المعيب، خصوصاً الهجمات تحت الرايات المزورة.
بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل و”محمياتهما” في أوروبا والعالم العربي أو الإسلامي، فإن الموضوع يتعلق بمشروع جيو/ سياسي، جيو/ استراتيجي، بل جيو/ اقتصادي لزعزعة الاستقرار والدمار على المستوى العالمي.. مشروع من رغبة وتخطيط وتنظيم واشنطن وتل أبيب عن طريق أنظمة لا تمتلك قاعدة اجتماعية حقيقية لكنها تشتري السلم الاجتماعي بواسطة البترودولار، أو عير العمال المهاجرين الذين يتعرضون للاستغلال المفرط في دوران دائم، وبهدف الحفاظ على اقتصاد الكازينو الغربي أطول مدة ممكنة، بينما تبرز قوى منافسة يخشى الناتو من مهاجمتها بشكل مباشر.
على الميدان السوري إذن، وبشكل خاص، لكن ليس الوحيد (ليبيا، أوكرانيا، اليمن.. إلخ)، يتموضع هذا التناقض الكبير. وكذلك من أجل منع تطور محور مقاومة يمتد من إيران إلى البحر المتوسط. إن دول شبه الجزيرة العربية عبارة عن اختراع مصطنع يعود إلى الحقبة الاستعمارية، ماعدا اليمن وعمان، البلدان اللذان يمتلكان الشجاعة، يا للمصادفة، لممارسة سياسة تتصف بالحكمة والوقار. أما الممالك النفطية الطارئة، على شاكلة رعاة البقر في الغرب الأمريكي، فهي تكره جميع الدول المتجذرة في التاريخ: العراق وإيران وسورية، وحتى مصر التي تسعى هذه الممالك للسيطرة عليها نتيجة فقرها الكبير. مجتمعات عرفت الحداثة بشكل أخرق بقوة البترودولار، لكنها تبقى مجتمعات قبلية وعشائرية تعرضت للاهتزاز بالنسبة إلى مجتمع بدوي قديم وبسيط لكنه عاجز عن استيعاب منجزات الحضارة الغربية التي – ويجب الاعتراف بذلك – دخلت اليوم مرحلة من الانحطاط بحيث أصبح نموذجها غير مقبول.. ممالك مطلقة ترغب أن يكون لبقية الدول العربية النموذج نفسه من السلطة المقسمة بين القبائل والعشائر، والذي لم تتمكن من تجاوزه.
المشكلة هي أن تركيا والإخوان المسلمين، الذين يمتلكون جذوراً أكثر وعقلية منفتحة في البداية أكثر من ممالك الصحراء، قبلوا أخيراً بدوافع انتهازية، بوهم التمكن من فرض أنفسهم من خلال تلك السياسات الحمقاء وقصيرة النظر، حتى إن حركة “حماس” الفلسطينية في الخارج فضلت الملكية المطلقة في قطر، والتي أنشأتها بريطانيا ويحميها الجيش الأمريكي، على الجمهورية السورية المعادية للاستعمار والمعادية للإمبريالية (حماس الداخل، في غزة، لم تقبل أبداً الوقوع فريسة الوهم، وأن تقطع علاقتها مع محور المقاومة وإيران). إن فكرة الديمقراطية الإسلامية بشكلها المحافظ، على نمط الديمقراطية المسيحية، “على الطريقة التركية”، أو بشكل لاهوت التحرير، موجودة، لكنها لم تتمكن أبداً أن يكون لها اليد العليا بسبب هيمنة البترودولار التي سمحت بشراء أو بإقناع غالبية “الإسلاميين” البارزين. أصيب الإخوان المسلمين بالإحباط نتيجة هزائمهم المتتالية منذ سنوات 1950، ومع تركيا إردوغان اعتقدوا أن فرصتهم قد أتت، ما أنساهم العقلية السابقة يخصوص الديمقراطية والتحرر الوطني، وكذلك بخصوص التقارب بين المذاهب.
لأسبابٍ تاريخية وثقافية ودينية وسياسية وجيوسياسية، تقع سورية في قلب المواجهة بين الرؤى العديدة للعروبة والإسلام. إن نتيجة الصراع الجاري حالياً سوف تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل العالم، لأنه هنا تتواجه قوى الغرب المأزومة مع القوى الحركية لأوراسيا.
– معسكر الشرعية الدولية، وبالتالي سيادة الدولة السورية الشرعية، يحظى بدعم كل من إيران، والمقاومة اللبنانية الملتفة حول حزب الله، والعراق الذي يعيد تنظيم نفسه مع الأحزاب وميليشيات الحشد الشعبي، واليمن “التاريخي”، وروسيا والصين، وبلدان منظمة شنغهاي، ودول البريكس.
– معسكر “الفوضى الخلاقة” وتفكيك الدول المستقلة في “الشرق الأوسط الكبير” كان يضم في البداية النخب والأنظمة المحافظة الجديدة والليبرالية الجديدة و/ أو الإسلاميين الجدد (السعودية وقطر والإمارات والبحرين وتركيا والكويت) التي تمول سلسلة من المجموعات التكفيرية و”الجهاديين” والمرتزقة، بدعمٍ من تل أبيب وجميع الدول الغربية تقريباً. واليوم، وبسبب إخفاقاته، انقسم هذا المعسكر على نفسه بسبب الأزمة التي اندلعت بين الرياض والدوحة. كما أن القوى الغربية هي الأخرى منقسمة ما بين سديم عولمي من المحافظين الجدد وبين الأنانية القومية على نمط ترامب.
هنالك أكثر من عشرة حروب في العالم محورها هذين القطبين، وما بينهما تتمظهر قوى السيادة الشعبية والوطنية صعوداً وهبوطاً. إنه صراع بين القوى الكبرى، وصراع مصالح عسكرية – صناعية، وصراع للسيطرة على الطاقة، وبالأخص على الطاقة المتجهة إلى القوى الصاعدة.
 
حالة الصراع في سورية
أرادوا في البداية إظهار هذه الحرب على أنها “حرب أهلية” بين شعب يقوم بثورة ديمقراطية ضد حاكم مستبد، لكن من الواضح أنه، حتى مع وجود معارضين سوريين التحقوا بالمجموعات التي تم تسليحها من الخارج، توجد معارضة انضمت إلى الدولة السورية خلال هذه الحرب، دون أن يعني ذلك أنها انضمت بالضرورة إلى الحكومة بحد ذاتها. إن “النظام السوري” يحظى، بحسب استطلاعات الرأي ونتائج الانتخابات داخل البلاد وخارجها، بالغالبية بين المواطنين السوريين، ومن كل الاتجاهات السياسية والدينية. ويجب التأكيد على هذه الحقيقة البسيطة: هذه الحرب لم يكن لها أن تتطور بدون الدعم المباشر من الخارج، بالمال والسلاح، ولكن خاصة، وهو أمر بالغ الدلالة، بدون مشاركة حشود من المقاتلين الأجانب، لعدم توفر العدد الكافي من السوريين المستعدين لحمل السلاح ضد حكومة دمشق. إن المخططات الإسرائيلية والأمريكية والأطلسية تدعو بشكل شبه صريح إلى “حلٍ” قائمٍ على “مشروع الشرق الأوسط الكبير” الذي طرحه بوش مستعيداً مخطط إينون “الإسرائيلي” القديم، أي مخطط تقسيم الدول العربية وسورية إلى كيانات سياسية صغيرة قائمة على الإقليمية والإثنية والقبلية أو الطائفية في بلدٍ كان واحداً موحداً منذ قديم الزمان خارج الانتماءات الدينية المختلفة. رغم أن سورية الكبرى الأصلية، “بلاد الشام”، تم تقسيمها إلى أربعة أجزاء (خمسة مع أنطاكيا) نتيجة اتفاقات سايكس بيكو لتقسيم البلد. لكن اليوم، بفضل انتصارات الجيش السوري، لم يعد الحديث يجري عن التقسيم بشكل “فج” بل ببساطة عن “الفدرالية” بشكل “ناعم”، وهما يعنيان أمراً واحداً تقريباً: تعقيم سورية من الداخل لمنعها من أن تكون القاعدة الخلفية للمقاومة اللبنانية والفلسطينية.
 
المكون “الديني” في الحرب
إن الوحشية التي أظهرتها المجموعات الإسلامية الجديدة المعرفة دولياً على أنها إرهابية (“القاعدة” و”داعش”)، أو تلك المجموعات التي يتم وصفها بـ “المعتدلة” – وهنا نتذكر ذبح الطفل الفلسطيني في حلب على يد مجموعة “معتدلة” وممولة ومدعومة من واشنطن – لا تتناسب مع أي من التقاليد التاريخية الإسلامية الكبرى. بالتأكيد شهدت فترات مختلفة من التاريخ مجموعات صغيرة جداً تستخدم العنف المفرط، وهو أمر شهدته مناطق أخرى من العالم، ولكن لم تحظ أية واحدة من هذه المجموعات بدعم المدارس الإسلامية الكبرى، السنية أو الشيعية. إن بروز الوهابية في منطقة نجد العربية النائية، ثم نجاحها، يعود بجزء منه إلى الدعم الإنكليزي، ثم الأمريكي، وإلى الثراء المفاجئ الذي سوف يدفع هذه الطائفة إلى المقدمة، وهي التي كانت في البداية محل إدانة من قبل جميع الجامعات والسلطات الأخلاقية والحقوقية واللاهوتية الإسلامية. الأمر الأسوأ، أظهرت القوة الرئيسية لتنظيم الإخوان المسلمين، الذي يعود لأصول مصرية وفقد مؤسسه الذي تم اغتياله من قبل الملك المؤيد للإنكليز، أنها غير قادرة على قبول المساومة مع متطلبات الاشتراكية الناصرية المعادية للاستعمار، لذلك اتجهت صوب شبه الجزيرة العربية حيث قبلت أن يتم استعمالها كأداة دائماً، وحيث أعطت، بطريقة ما، الضمانة الفكرية “الإسلامية” لهذه الأنظمة العنيفة التي أتت من الضواحي الجغرافية والفكرية للإسلام، وهي التي ستقوم، فيما بعد، باستيراد مفهوم “الحرب المقدسة” إلى الإسلام، وهو مفهوم غير موجود فيه، بحيث تمت إعادة صياغته “حسب الطريقة الإسلامية” تحت تسمية مختطفة هي “الجهاد”، وسوف تقدم للقوة العظمى ماوراء المحيط، التي تحمل إيديولوجية “صدام الحضارات”، الذريعة لاختراع الإرهاب الذي كانت تحتاجه لكي تصطاد في الماء العكر، وتسبب المواجهة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وقد أصبحتا في حالة صراع الواحدة ضد الأخرى، كذلك الحال بين الأطراف الأطلسية القريبة من أوراسيا مع قلبها القاري.. وكل ذلك من أجل المحافظة على الانقسام في أوروبا والمنطقة العربية الإسلامية، وبالتالي ضمان هيمنة القوة العظمى ماوراء المحيط الأطلسي وعميلها “الإسرائيلي” المحلي على الجميع.
من أجل تبرير حربهم، عمل “الإسلاميون” على تشكيل “محور مذهبي” مزعوم للوقوف في وجه “محور المقاومة”، علماً أنه حتى بني سعود لم يبدر عنهم أدنى تحفظ ضد التشيع المحافظ لشاه إيران أو لعاهل اليمن السابق. ليس التشيع إذن، بل الإسلام الثوري الإيراني، ثم حزب الله اللبناني، هو الذي أثار الهلع لدى العائلات الملكية من العصور الغابرة. إن التشهير بالتشيع هو مجرد ذريعة لعملية إضفاء الشرعية على مبدأ النظام الملكي لدى الجماهير الشعبية التي لاتزال حتى الآن معادية للإمبريالية والصهيونية، ومؤيدة للاشتراكية العربية. وقد نجح هذا الهجوم الإيديولوجي الرجعي في التمدد ليصل حتى إلى قسم من المقاومة الفلسطينية، رغم وعيها أن العدو الرئيسي يوجد في تل أبيب وليس في طهران. وحدهم مقاتلو حماس في غزة، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فهموا أن المسجد الأقصى في القدس هو الذي يمتلك فهماً صحيحاً حول مصلحة الإسلام والعرب والفلسطينيين، لأنه استنكر الفتنة التي بدأت مع حروب “الربيع العربي” على ليبيا وبعدها سورية. واليوم، ومع الأزمة التي اندلعت بين العصابتين الحاكمتين السعودية والقطرية، ذهبت أسطورة التحالف المذهبي ضد “المؤامرة المجوسية” هباءً منثوراً. وليس التغيير الذي طال رأس حماس منذ بضعة أشهر، بعد إخفاق المغامرات التي خاضتها القيادة الخارجية، سوى إعلان عن ذلك. إننا نرى بوضوح إذن أنه خلف المظاهر الدينية التي آمن الكثير من الناس بها، في الغرب والعالم الإسلامي على السواء، تبقى المسألة الجوهرية عن العلاقة بالإمبريالية المتهاوية وبالقيم المحافظة الإجتماعية، وهو ما يتوجب على أي مؤمن أن يفهمه من مفهوم إضفاء طابع القداسة على النضال العادل. لكن الذي حدث هو انعكاس عقلي في العالم العربي عن طريق استغلال جماهير الشباب الفقيرة والتائهة وغير المتعلمة. وعلى الصعيد العالمي، فإن العلاقة مع الإمبريالية، كما هو معروف منذ زمن طويل، تغطي التناقضات الطبقية التي لم يشأ “الإسلاميون”، بغالبيتهم، إدراكها، ومن هنا ينبع ضلالهم وانحرافهم، والتلاعب الذي كانوا ضحية له، وبعد ذلك الفظائع التي أيدوها أو حتى قاموا بها.
 
حكومة دمشق قانونية وشرعية
لا يحظى تدخل الدول العربية والغربية بالشؤون الداخلية السورية بأي أساس قانوني، لأن سورية دولة معترف بها دولياً دولة سيدة ومستقلة، ومسألة نظامها السياسي وحكومتها هو أمر سوري حصراً لا تملك أية دولة أخرى أدنى حق بالتدخل به. لذلك تعتبر المساعدة الروسية واللبنانية والإيرانية والصينية لدمشق قانونية وشرعية لأنها تمت بموافقة الحكومة السورية المعترف بها دولياً. إن حق الشعوب في تقرير مصيرها تتم ترجمته من خلال حق الدول في تحديد نظامها السياسي خارج أي تدخل خارجي، وإن الفرضية التي طرحها المحافظون الجدد حول “حق الحماية” – عدا عن كونها نفاقاً صرفاً نظراً لعدد القتلى في كل الحروب التي تم إشعالها من أجل الغاز والنفط باسم حقوق الإنسان – فإنها لا تملك أي أساس قانوني أو حتى منطقي، لأن حق “الحماية” يقرره القوي ضد الضعيف بشكل ذاتي. ومن الصعوبة تخيل الجيش العراقي أو الهاييتي يتدخل في الولايات المتحدة من أجل تحرير موميا أبو جمال وليونارد بيلتييه، السجينين في غوانتانامو أو في السجون السرية التابعة للمخابرات الأمريكية، والآلاف من السجناء المحتجزين بشكل غير شرعي في هذه القوة العظمى التي يوجد فيها تقريباً ربع عدد الأشخاص المحتجزين في العالم أجمع! ولا نتخيل الجيش اللبناني يأتي ليحرر جورج ابراهيم عبدالله المتحنجز بشكل غير شرعي في فرنسا.
حسب القانون الدولي، فإن كل حكومة معترف بها تحتكر الاستعمال القانوني للقوة. إن نفي هذا الحق يعني العودة إلى سياسة البوارج والعصر الاستعماري. والجيش السوري الذي يتم تقديمه أحياناً كـ “جيش للنظام” هو في الواقع جيش وطني من المجندين الإلزاميين من جميع شرائح البلاد، وهو يملك الحق الحصري القانوني العسكري على جميع الأراضي السورية، وبإمكانه طلب المساعدة العسكرية الخارجية، حسبما تقرره الحكومة السورية. وكل تواجد عسكري أجنبي آخر على الأرض السورية، وكل المجموعات المسلحة “الإسلامية” أو الكردية، وكل قاعدة للجيش الأمريكي، وكل محطات الاتصال للمخابرات الغربية، والجيش التركي، هي غير قانونية في نظر القانون الدولي. والموقف الذي اتخذته روسيا والصين في الأمم المتحدة حول هذه النقطة هو موقف لا يرقى إليه الشك. إن لسورية الحق في الدفاع عن نفسها، وحتى السفير الأمريكي السابق في دمشق، روبرت فورد، اعترف أن الولايات المتحدة قد خسرت الحرب في سورية، ما لم تتدخل عسكرياً بشكل مباشر، وهو أمر شديد الخطورة.
 
الحرب في سورية أوشكت على الانتهاء
على الجبهة العسكرية، ومنذ تحرير شرق حلب في كانون الأول 2016، والجيش السوري في حالة الهجوم في كل مكان.. في منطقة دمشق وشرق حلب وحماة وحمص، ومنذ بضعة أيام في محافظة دير الزور الاستراتيجية التي تفتح الطريق إلى العراق، وحتى على الحدود الأردنية والجولان حيث تسعى إسرائيل لمساعدة “الثوار” من أجل إيجاد منطقة عازلة تفصلها عن الجيش السوري والمقاومة اللبنانية. كما تشهد معركة الصحراء في شرق سورية منذ عدة أسابيع تقدماً متواصلاً، والنصر بات مؤكداً لدمشق ما لم يأت أحد لنجدة “داعش”، وما لم يضع الكرد الذين سلحتهم الولايات المتحدة العصي في الدواليب، وإن قبلت الولايات المتحدة أو إسرائيل أخيراً البرهنة عن الواقعية والانسحاب من المسرح السوري. ولقد نفذ الجيش السوري، من خلال حركة بارعة أظهرت فعاليته، وخلافاً للأوامر المصاحبة للأعمال الحربية الأمريكية، عملية ربط مع القوات العراقية في “الحشد الشعبي” أدت إلى إعادة فتح الحدود بين البلدين، وإلى فتح طريق الاتصال الذي يمنح أوراسيا، التي هي في طور التأسيس تحت تسمية “طريق الحرير الجديد”، منفذاً على البحر المتوسط، وإلى منح محور المقاومة المعادي لإسرائيل عمقاً استراتيجياً أصاب العسكريين في تل أبيب بالشحوب. ومن الآن فصاعداً، وبوجود حزب الله الذي عركته التجارب، وجيش سوري متمرس بالحرب، وحركة حماس العائدة إلى غزة بعيداً عن أوهام قادتها السابقين المنفيين في الدوحة، فإن إسرائيل هي التي يجب أن تعيش الهموم، بالرغم من التحالف في طور التشكل الذي تسعى لعقده مع العائلة المالكة السعودية التي تعيش في خضم أزمة انتقال الحكم، وأزمة اقتصادية، وتواجه تحدياً على الجبهة اليمنية.
إن الاستفزازات المتتالية (اسقاط طائرة حربية وطائرة بدون طيار سورية من قبل سلاح الجو الأمريكي، وكذلك الضربات والهجمات الأمريكية والإسرائيلية ضد الجيش السوري لصالح الإرهابيين “الإسلاميين”) هي تأكيد على نفاق القوة المتهالكة. إن روسيا والصين، اللتين أظهرتا الحصافة والعقلية الساعية للتسوية برفضهما الانخراط في الدفاع عن ليبيا، فهمتا منذ بداية الحرب في سورية أن مصلحتهما الحيوية تكمن في الدفاع عن القانون الدولي وعن التوازن بين القوى، وهو أمر يمر أولاً عبر تأكيد وفعالية قوتهما ومتانة تحالفاتهما. وفي هذا السياق، يبدو أن “قوات سورية الديمقراطية” التي يشكل الكرد غالبيتها، وذات الخلفية الماركسية مبدئياً، قد راهنت على الحصان الخاسر بابتعادها عن دمشق، لكي تتقرب من واشنطن. لقد أغضبوا دمشق وأثاروا، في الوقت نفسه، حنق  أنقرة، القوة العضو في حلف الناتو، والتي بدأت ترتاب في أن مصالحها تكمن في البقاء في حلف يوفر المأوى لمن خطط للانقلاب ضد إردوغان الذي تم إنقاذه بواسطة… خصمه الروسي. وأنقرة، مثل الدوحة، يبدو أنهما سيذهبان قريباً إلى كانوسا، أي إلى طهران وموسكو، ما لم تكونان ترغبان بالتحول إلى أضحوكة العالم، وإلى عناصر ذات أهمية ثانوية على المسرح الإقليمي.
في الواقع فإن سورية تبدو في طريقها لربح الحرب العسكرية، قبل أن تربح الحرب الإعلامية، بالرغم من تكرار أناشيد أوكار الدعاية الهزلية التي شاخت، والتي لاتزال تلقن المزاعم عن ثورة شعب ضد طاغيته، وبالرغم من أن الجيش السوري ليس مكوناً من ساكني المريخ، وقد تحمل كل الصدمات المتتالية خلال سبع سنوات تقريباً من الحرب التي كلفته الكثير من الخسائر المؤلمة، ذلك أن ربع العدد من كل ضحايا الحرب السوريين تقريباً هم من المقاتلين في المعسكر الحكومي، وهذا حسب المعطيات التي ينشرها الوكر المقرب من المعارضة والموجود في إنكلترا، أي “المرصد السوري لحقوق الإنسان”. وسواء عاجلاً أم آجلاً في التاريخ، تنهار الأكاذيب دائماً، وتكون الكلمة العليا للوقائع. لقد صمد بشار الأسد جيداً، بينما تعفّر بالتراب الكثير من السياسيين الذين توقعوا سقوطه الوشيك منذ وقت طويل، ولنتذكر أولئك الذين كانوا يحكمون قطر والسعودية والولايات المتحدة وفرنسا وإنكلترا، والكثير غيرها. ويبدو أنه فقط رؤساء الدول الذين يوصفون بأنهم أعداء للقيم الغربية المتحولة يستندون على شيء ما أكثر صلابة وأكثر ديمومة، وهو أمر، بالمناسبة، يجب اعتباره علامة إلهية من قبل أولئك الذين لا يملكون سوى كلمة الله في أفواههم، وأكثر ما يكرهونه على ما يبدو هم الكائنات الإلهية التي تسير بثبات على الأرض. لكن لا تطلبوا منهم البرهان على منطقهم، فلو كان شيء من هذا القبيل ممكناً لما كانوا اتخذوا تلك القرارات المميتة سنة 2011، والتي أدت بهم إلى الضياع نتيجة توالي انحرافاتهم.
 
عالم عربي جديد ينبثق
إن صلابة التحالف بين سورية وحلفائها (حزب الله، إيران، العراق، روسيا، الصين، وبدون شك الجزائر وغزة) تتناقض مع تفكك التحالف المعادي السابق:
– التفكك في الولايات المتحدة بين الرئيس الجديد و”الدولة العميقة” التي دعمت كلينتون وخربت، بواسطة البنتاغون، والمخابرات المركزية و”شركات الإعلام”، سياسة الرئيس التي تبدو أكثر فأكثر غير مستقرة.
– تفكك التحالف الأطلسي بين ساكن البيت الأبيض وبعض حلفائه الخارجيين وغالبية دول الاتحاد الأوروبي التي لم تهضم هزيمة كلينتون وبروز “الشعبوية”، ما يدل على أن نظام الهيمنة في طور التفكك. إنه التخلص من وهم الحب إذن بين ضفتي شمال الأطلسي، ما سيقود إلى الكثير من الانقلابات في الوضع الدولي. وكلما طلبت واشنطن من الأوربيين المأزومين أن يدفعوا أكثر مقابل التواجد العسكري الأمريكي على أراضيهم والمفترض أنه لحمايتهم، كلما بدا هذا الحضور أقل ضماناً للأمن.
– تفكك ما كان يريدون تقديمه على أنه “المحور المعتدل”، حيث بدأت قطر وتركيا وحركة حماس في غزة بالتقارب مع محور المقاومة الذي كانوا سابقاً قد عمّدوه “هلالاً” من أجل مواجهة خيانة الطامح الجديد بعرش بني سعود الذي لم يربح أياً من حروبه، لا في سورية ولا، وهو الأسوأ بالنسبة له، حربه في اليمن، حيث نجح الجيش اليمني في تحقيق إنجاز في اختراقه الأراضي السعودية بشكل دائم.. جيش من الحفاة في بلد جائع يواجه جيشاً مزوداً بكل الخردة العسكرية الغربية آخر صيحة!
بشكل منطقي، ليس أمام واشنطن من خيار عقلاني سوى التملص، لكن هل يمكننا التصديق حقاً أن اللوبي العسكري الصناعي والنفطي، وأن البنتاغون والمخابرات الأمريكية ودوائر المحافظين الجدد، والصهاينة ما وراء الأطلسي وفي الأراضي المقدسة، سوف يقبلون بالانكفاء؟ والاعتراف بهزيمتهم.
 
حلّ لصالح سورية؟
إن سورية تسير نحو نصر عسكري سوف يعزز من قدرات وخبرات جيشها، ما سيتسبب بالذعر في تل أبيب، والشيء نفسه بالنسبة لحزب الله الذي سوف يزيد مساعدته لـحماس في غزة. مع ذلك، تبقى كلفة هذا الانتصار مذهلة. بلد في الحضيض، حوالي 400 ألف قتيل، في مقدمتهم الشبان العسكريون السوريون، وبعدهم المدنيون الذين قتلوا خلال المعارك أو المجازر المنظمة من قبل “الثوار”، وأخيراً أولئك الذين اختاروا، طوعاً أو كرهاً، الالتحاق بمعسكر المرتزقة والمتعصبين. ثمانية ملايين لاجئ على الأقل، غالبيتهم من الذين نزحوا ضمن الأراضي السورية. وقد بدأوا بالعودة منذ تحرير حلب، من داخل البلاد أو من معسكرات اللاجئين في الخارج حيث كان وضعهم مؤلماً، خاصة أولئك الذين لجأوا إلى تركيا، والذين لم يقيّموا بشكل إيجابي إقامتهم فيها بحسب ما أفاد الكثير منهم. هذه الحرب سببت أيضاً  1.5 مليون جريح ومعاق. ثلثا البلاد تحول إلى أنقاض، الأضرار قدرت قيمتها بمئات المليارات، وذلك دون احتساب أثر العقوبات والحصار الساريي المفعول حتى الآن، وخاصة في القطاع الطبي (!). يضاف إلى ذلك تدمير جزء من الإرث الثقافي والفني والتاريخي والتربوي والصحي والصناعي والنسيج الإنساني في المناطق التي استطاع فيها “الثوار” تقسيم السكان باللعب على العداوات المحلية.
إن الحرب سوف تنتهي بانتصار الجيش الوطني إذا رضخت واشنطن، وهو أمر غير متوقع، حتى ولو بدا أن موسكو تعمل كل ما بوسعها من أجل حفظ ماء وجه واشنطن. لقد أوضح الصراع في سورية الكثير من الأمور، وجزء كبير من المسلمين الصادقين، الذين لفحتهم نار المثال الجزائري في “العشرية السوداء”، فهموا المأزق الذي يعيشه الأمراء والشخصيات البارزة والسياسيون قصيرو النظر الذين أسقطوا الإسلام الذي كان سابقاً دين العلم والانفتاح والتسامح والإبداع والتعددية، وسيبقى كذلك اعتباراً من اللحظة التي نقبل فيها أن نعطي الكلام لأولئك الناطقين باسمه، والذين تم حرمانهم من ذلك معظم الوقت.
تبقى مسألة يجب حلها هي مسألة الحشود من المحبطين والخارجين على القانون من العرب والأوروبيين والأمريكيين، والذين لم يعودوا يتقنون سوى مهنة واحدة هي السلاح والإرهاب. كيف السبيل لإعادة دمجهم في بلدانهم دون ترك أي أثر للحقد لدى ضحاياهم السابقين؟ ودون أن يبقى إحباطهم ووعيهم الرديء يعاودان الظهور دون نهاية؟ على الباغي تدور الدوائر.
 
برونو درويسكي كاتب فرنسي من أصل بولوني  حاصل على شهادة  دكتوراه في التاريخ من معهد السياسة في باريس 1991، ودكتوارة أخرى في التاريخ من جامعة باريس الثالثة، مدرس جامعي وكاتب.
عن orhay.net

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

49 + = 50