الصيــــــــــن القادمـــــــة

1٬097

بهدوء وثقة تستمر الصين في انتهاج سياساتها الخارجية والاقتصادية على الساحة الدولية بشكل لا بد أنه سيصوغ شكل القرن الحادي والعشرين. تتسم السياسة الصينية على الساحة الدولية اليوم بسمتين أساسيتين الأولى في مجال العلاقات الدولية، حيث تلجأ الى العمل الرزين وطويل النفس على تفكيك الأحادية القطبية التي عانى منها العالم لما يزيد عن ثلاثة عقود في أعقاب الحرب الباردة، ويمكن القول إن النقطة الفاصلة في هذا المجال كانت من خلال استخدام الصين لحق النقض في مجلس الأمن ضد مشاريع القرارات التي حاول الثالوث الأنكلو ـ أمريكي ـ الفرنسي تمريرها في مجلس الأمن ضمن الحرب على سورية. والسمة الثانية هي الانفتاح الاقتصادي على كل دول العالم واستلام دور ريادي في صياغة أنماط جديدة للعلاقات الاقتصادية بين الدول والجماعات. وما يميز المقاربة الصينية عن الممارسات الاقتصادية المتغولة لدول الغرب وشركاته هو مبدأ المنفعة للجميع وكسر الاحتكار (خاصة في مجالات التقانة والمكننة) الذي تحاول بعض المؤسسات الاقتصادية والمالية الغربية التشبث به بصفته رافعة لمكانتها في العالم.
شارك الرئيس الصيني شي جين بينغ في منتدى دافوس الذي عقد مطلع العام في سويسرا، عارضاً الأسس العامة لرؤية الصين الاقتصادية في العالم. ثم عقد قي الشهر المنصرم منتدى دافوس الصيفي في مدينة داليان الصينية، ألقى خلاله السيد لي كتشيانغ رئيس مجلس الدولة لجمهورية الصين الشعبية كلمة افتتاحية فصّل فيها رؤية الصين للعلاقات الاقتصادية في العالم، بما في ذلك علاقة الصين مع القطب الاقتصادي الأمريكي، ومن الواضح من متابعة الكلمتين أن الصين تعمل على تحويل شعار الانفتاح الاقتصادي مع الجميع الى ممارسة حيوية بما يضمن المنفعة المشتركة.
ركز لي كتشيانغ على إيمان الصين بأهمية العولمة الاقتصادية والتجارة الحرة بصفتهما محرضين أساسيين للنمو الاقتصادي لكل الدول ما قدم فرصاً غير مسبوقة للمشاركة المبنية على المساواة والنمو الذي لا يستثني أحداً، كما شدد على أن البعد الاجتماعي لا يجب أن يغيب عن ممارسات الاقتصاد المتعولم، ومنوهاً أن المشاكل والتحديات التي تواجهها بعض الدول لا يجب أن تعزى كلها الى حقائق العولمة. وقدم عرضاً للتجربة الصينية في إيلاء الاهتمام للنمو المتوازن والشامل الذي يقوم على تأمين فرص العمل لملايين المواطنين كل عام .. وكان لافتاً في كلمته الإشارة إلى طاقة الكمون الهائلة التي تجعل من الصين محركاً أساسياً لاقتصاديات العالم والتي تمثل أيضاً تحدياً للحكومة الصينية في مجال فرص العمل. فالقوى العاملة في الصين تقارب 900 مليون إنسان، ويتخرج من مدارسها الثانوية وجامعاتها سنوياً 13 مليون طالب وطالبة، ويكمن في أريافها فائض عمالة متحرك دوماً نحو المدن والمراكز الصناعية والتجارية، ورغم ذلك تولد الصين سنوياً أكثر من 13 مليون وظيفة بما أبقى معدلات البطالة داخل المدن في حدود 5٪.
وأشار رئيس مجلس الدولة الى سعي الجهات الوصائية في الصين على تشجيع ريادة الأعمال والابتكار ضمن ما أسماه ” التطوير الذي يحرضه الابتكار” وقدنتج عن هذه الاستراتيجية خلال السنوات الثلاث المنصرمة دخول أربعين ألف فعالية اقتصادية الى السوق يومياً. ومن أسباب نجاج التجربة خلق منصات تجارية الكترونية وفعلية تسمح للمبتكرين ورواد الأعمال بالتفاعل بشكل دائم.
وشرح السيد لي كتشيانغ مقاربة الصين لموضوع الحماية والرعاية الاجتماعية من خلال تطوير ثلاث شبكات تغطي كل المواطنين، وشملت هذه الشبكات: التقاعد، التأمين الطبي، والتعليم الإلزامي. وقد نتج عن التطوير المستمر لهذه الشبكات خلال العقود الثلاثة المنصرمة ما أسماه رئيس مجلس الدولة بـ “المعجزة الصينية في مكافحة الفقر” حيث تجاوزت 700 مليون مواطن صيني على مؤشر الفقر، صعوداً.
نجم عن السياسات الاقتصادية الفعالة معدل نمو لعله الأعلى والأكثر استدامة في العالم، حيث وصل المعدل خلال الربع الأول من عام 2017 الى 6.9٪.
ويتساوق مع الاهتمام الحكومي المستمر بخلق البيئة التمكينية لفرص العمل، فتح الباب بشكل مدروس لفرص الاستثمار في الصين والتي رأى رئيس مجلس الدولة فيها أن حيوية اقتصادها وإيقاعه المستدام سيكون على الدوام أحد أكبر المحفزات للاستثمار الخارجي فيها.
المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 78 = 79