الصين الشعبية والطريق إلى المستقبل

957

تتميّز جمهورية الصين الشعبية عن غيرها من دول العالم أنها ترسم وتقر سياساتها المستقبلية في كافة المجالات، وخاصة الاقتصادية والتنموية، عبر مؤتمرات دورية ومنتظمة للحزب الشيوعي الصيني. وهذه المؤتمرات-التي يُنتدب إليها ممثلون من كافة المقاطعات الصينية تحددهم وتنتخبهم اللجان الحزبية المنتشرة في كافة أرجاء جمهورية الصين الشعبية، إضافة إلى ممثلين من كافة قطاعات المجتمع الصيني، بما فيها القوات المسلحة- تشكّل تحوّلاً مفصلياً في مسيرة الصين نحو المستقبل، من خلال إقرار سياسات اقتصادية وخطط تنموية تأخذ في الاعتبار احتياجات الشعب الأساسية وإمكانات الدولة وثرواتها، وفي المقدّمة الثروة البشرية، والطاقات الخلّاقة للشعب الصيني، وقدرة الحزب الشيوعي الصيني على قيادة عملية التحوّل تلك بحكم تموضعه في المجتمع الصيني وامتلاكه للكوادر الفاعلة والمؤهلة علمياً وفكرياً ومهنياً، القادرة على قيادة تلك العملية الشاقة والصعبة.
إن ما يميّز التجربة الاشتراكية الصينية هو اعتمادها على ما يميّز الشعب الصيني من خصائص اجتماعية وثقافية وطبقية، خاصة وأن أغلبية الشعب الصيني تعيش في الأرياف وتعتمد على العمل الزراعي، فجاءت التجربة الصينية مراعية لهذه الخصوصية وساعية للتوازن في عملية التنمية بين المدن والأرياف، وكذلك بين الأقاليم الساحلية والداخلية والتعامل مع كل بيئة بحسب خصوصيتها واحتياجاتها، ما أعطى مرونة كبيرة للحكومات المحلية في رسم سياساتها التنموية، وهو ما حقق نوعاً من التكامل والتناغم والانسجام في تنفيذ السياسات الاقتصادية.
لقد استطاعت جمهورية الصين الشعبية بفضل اتباع سياسة الإصلاح والانفتاح-التي بدأتها منذ عام 1978 عبر نهج وخطة وضعهما الحزب بقيادات مثّلها في مراحل مختلفة كل من دينغ سياو بينغ وجيانغ زي من وهيو جنتاو والرئيس الحالي شي جين بينغ عبر رؤيته حول الحكم والإدارة- أن تصبح أكبر ثاني قوة اقتصادية في العالم، وتتّجه لتكون القوة الأولى خلال أقل من عقد من الزمن، وهو ماجعل القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تسعى لمحاصرة الصين أو تطويقها بسور بحري، والسعي لتحريض دول مجاورة لها كفيتنام لاختلاق مشاكل وخلافات في بحر الصين بهدف جرها لصراعات بينية، وهي سياسة غربية معروفة، ولكن يبدو للجميع أن الصين الشعبية ماضية بقوة نحو تحقيق أهدافها بالتنمية والتعاون مع دول العالم، وخاصة النامية منها، بهدف تعزيز مقدارتها الاقتصادية والتنموية، عبر تخصيص أكثر من 150 مليار دولار لهذا الغرض، لاسيما في مشروع الطريق والحزام، ما يعكس السياسة السلمية لجمهورية الصين الشعبية، ويعزّز من دورها ووزنها في المحافل الدولية كصانعة سلام وشراكة حقيقية في عالم يموج بالصراع والعنف، والتي ترجع أكثر أسبابه للفقر والتخلّف والبطالة وانعدام العدالة الدولية.
د. خلف المفتاح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

74 + = 77