"الحزام والطريق" للتعاون الاقتصادي الدولي.. قلب روح الحرير

“أنشئ الطريق أولاً إذا أردت أن تصبح غنياً” بهذا المثل الصيني القديم تمد الصين يدها إلى دول العالم وشعوبه للسير معاً نحو تعاون اقتصادي متكافئ ومتبادل المنفعة في القرن الحادي والعشرين على قاعدة “الكل رابح”، وذلك في إطار منتدى “الحزام والطريق” الذي استلهم روح طريق الحرير القديم، واستضافته بكين الأسبوع الماضي، وشارك فيه 1500 شخصية، يمثلون 130 دولة.
أعرب المشاركون عن دعمهم للمبادرة التي كان طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013 بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والصناعي والزراعي والعلمي والثقافي والسياحي، وترتكز على أسس الشفافية والمساواة والاحترام ومكافحة الفساد، وتحترم سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وأوضحوا أنهم سيجتمعون عام 2019 في الصين للنظر في التقدم الحاصل، والمضي نحو المستقبل، خاصة وأن المنتدى شهد توقيع 76 اتفاقاً في خمسة مجالات أساسية هي السياسات والبنية الأساسية والتجارة والمال والترابط بين الشعوب.
مضمون المبادرة
لم يسبق أن حظيت مبادرة بمثل هذا الاهتمام، ما يدفع للتساؤل: أين يقع “الحزام” و”الطريق”، وتجيب المبادرة بالقول: إنهما يمتدان على خمسة طرق تلف الكرة الأرضية، ثلاثة منها برية، يمتد الأول من شمال الصين نحو روسيا وأوروبا ودول البلطيق، والثاني من وسط الصين نحو إيران وغرب آسيا وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، والثالث من غرب الصين عبر شبه جزيرة الهند الصينية إلى المحيط الهادي، وطريقان بحريان، يمتد الأول من بحر الصين الجنوبي نحو مضيق مالاكا ثم المحيط الهندي وصولاً إلى أوروبا، والثاني من بحر الصين الجنوبي نحو جنوب المحيط الهادئ.
وترى المبادرة أن أي تفاهم بسيط بين طرفين هو كافٍ للبدء بالاستثمار وإقامة المشاريع والتجارة، وليس بالضرورة أن يكون التكامل الإقليمي ومناطق التجارة الحرة هي الهدف الأقصى لها، وسيدعم هذا الجهد مؤسستان ماليتان أسستهما الصين وهما صندوق طريق الحرير وبنك الاستثمار للبنية التحتية الأسيوية بهدف تمويل المشاريع التنموية التي ستعود بالفائدة على الجميع.
وكي لا يظن البعض أن المبادرة جهد تجاري بحت، فقد أكدت الصين أن المبادرة ستعمل على بناء “طريق الحرير الصحي” في الرعاية الطبية والصحية، و”طريق الحرير الذكي” الهادف إلى تعزيز التبادلات، و”طريق الحرير السلمي” الهادف إلى تنفيذ مفهوم الأمن المشترك والمستدام، وسيكون مضمون المبادرة متوافقاً مع المثل الصيني القديم “التناغم من دون التماثل” وهو يعني أن ثقافات الدول والشعوب سوف تتفاعل وتتناغم فيما بينها، لكن من دون أن يطغى أحدها على الآخر.
وقد شهدت السنوات التي تلت إطلاق المبادرة نمو التجارة الثنائية بين الصين والدول المشاركة، وحسب بيانات وزارة التجارة الصينية للعام 2016 فإن الشركات الصينية نفذت استثمارات مباشرة بقيمة 14.53 مليار دولار أمريكي في الدول الواقعة على طول طريق المبادرة، وبلغ حجم عقود المقاولات الخارجية للشركات الصينية في تلك الدول 126 ملياراً، وبلغت قيمة المبيعات المنجزة 76 ملياراً، وتم إقامة 56 منطقة تعاون واقتصادي وتجاري في 20 دولة بإجمالي استثمارات بلغت 18.55 ملياراً، ووصل عدد الشركات المقيمة في مناطق التعاون الاقتصادي والتجاري إلى 1082 شركة بإجمالي إنتاج قدره 51 مليار دولار، ودفعت الشركات الصينية 1.1 مليار دولار للدول المضيفة، وخلقت المشاريع حوالي 180 ألف فرصة عمل محلية.
وكانت المبادرة حظيت منذ إطلاقها باهتمام عالمي كبير، وخلال المنتدى حث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على استخلاص الخبرات من طريق الحرير القديم من أجل تحقيق الفائدة للجميع.
كما ينظر الاتحاد الأوروبي للمبادرة على أنها مشروع لتعزيز الترابط بين آسيا وأوروبا، وتشكل منطقة وسط وشرق أوروبا، العديد من الاقتصادات الصاعدة، ونحو ربع عدد الدول الواقعة في إطار الحزام والطريق، ويزدهر التعاون بين تلك الدول والصين، وبلغ حجم التجارة بينهما 57 مليار دولار أمريكي عام 2015 وتجاوزت الاستثمارات الصينية في دول المنطقة 5 مليارات.
وتعهد قادة الدول الأوروبية والصين بدفع دمج استراتيجيات التنمية الأساسية والتعاون في بناء القدرات الصناعية، وبناء شبكات النقل عبر الأنحاء الأوروبية والخط الصيني الأوروبي البري البحري السريع والجسر القاري الأوراسي الجديد، وتريد إسبانيا أن تصبح محوراً للربط مع شمال أفريقيا وأمريكا اللاتينية ويضطلع قطار الشحن الواصل بين مدينة إييوو الصينية ومدريد الإسبانية بمهمة تعزيز العلاقات التجارية، وتخطط اليونان إلى تحويل ميناء بيرايوس اليوناني إلى نجم ساطع في سماء التجارة الدولية، وتريد سلوفينيا أن تكون واحدة من المراكز اللوجستية الرئيسية، وتعمل إيطاليا على أن تكون ملتقى الفعاليات الاقتصادية، وترغب دول وسط أوروبا وبريطانيا والنرويج وكراوتيا وبلجيكا وصربيا وفرنسا لأخذ دورها في إطار الطرق البرية والبحرية للمبادرة، فيما تجوب قطارات الشحن بين الصين وأوروبا ليل نهار محملة بمئات آلاف أطنان البضائع، مقدمة خدمات كبيرة للأفراد والمؤسسات والدول، وخلال السنوات الماضية قامت أكثر من 27 مدينة صينية بتسيير 3557 قطار شحن بضائع لأوروبا في رحلات ممتعة تمتد عبر سهوب آسيا وأوروبا.
بدورها، ترى الدول النامية أن المبادرة ستسمح لها بأن تنهي النهب الذي تتعرض له، وأن تحقق فوائد تنموية هائلة، وتحسين في البنى التحتية والدخل والمعيشة وفرص العمل، وترى الصين في المبادرة نموذجاً مربحاً للجميع، خاصة الدول النامية، ولذلك تفتح الصين ذراعيها للتعاون مع الجميع، لدرجة أن دول أمريكا اللاتينية ستستفيد من المبادرة وعلى الرغم من عدم وقوعها في منطقة الحزام والطريق، والسبب هو حرص الصين على أن تشمل المبادرة كل دول العالم، وستكون منطقتا الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية مقصدين مهمين لتوجه الشركات الصينية إلى الخارج.
وفي آسيا، هناك اهتمام كبير بالمبادرة، حيث تعطي تايلاند أهمية أكبر للطرق والسكك الحديدية في إطار المبادرة، وترى الفيليبين أنها تكمل جهود “منظمة الآسيان” لتحقيق التكامل، وتعتبر إندونيسيا أنها مهمة للدول البحرية، وترى إيران فيها تعاوناً متكافئاً بين الجميع، وتريد باكستان إقامة بنى تحتية للمبادرة تعود بالفائدة على الشعب كله، وفي لاوس انتشرت أغنية “الحزام والطريق” بسرعة البرق، وتبحث اليابان عن طريقة للمشاركة، فيما تحركت استراليا لبحث فرص الاستفادة.
وتولي الدول العربية أهمية كبيرة للمبادرة، وتعد مصر من أكثر الدول حماسة لها، وخاصة مع وجود 16 ميناء على البحرين الأحمر والمتوسط، ومرور الخط البحري على سواحلها وعبر قناة السويس، ويريد الأردن أن تساهم المبادرة في تنمية اقتصاده، فيما ستكون الإمارات واليمن وعمان والعراق والجزائر من أكثر المستفيدين، وترى غرف التجارة العربية أن المبادرة ليست حلماً صينياً فحسب، وإنما حلم شعوب العالم بأسره، ويرى خبراء عرب وصينيون أن العلاقات الصينية العربية سترتقي إلى مستوى أعلى وأنهما شريكان في المبادرة، خاصة وأن الصين ثاني أكبر شريك تجارى للدول العربية ككل وأكبر شريك تجارى لـ10 دول عربية.
قلب روح الحرير
وتعد سورية الطرف الغربي لطريق الحرير القديم، وترجع علاقات التواصل بين الشعبين والبلدين في سورية والصين لآلاف السنوات عبر طريق الحرير الذي كان طريق تواصل تجاري وثقافي وحضاري، وهما اليوم من أشد الراغبين بنجاح المبادرة، والتي ترى فيها سورية توافقاً مع استراتيجية “التوجه نحو الشرق”، ولأن خطة إعادة الإعمار في سورية ستكون من نصيب الدول التي دعمت سورية ومنها الصين وروسيا وإيران وهي دول تقود المبادرة، ولهذه الغاية تتواصل الاتصالات بين الجانبين، وزار سورية وفد الشركات الصينية للتعرف على فرص الاستثمار وتقوم عشرات الشركات الصينية باستكشاف النفط والغاز وتنفيذ المقاولات الهندسية وبناء البنية التحتية في سورية.
عمر المقداد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

81 + = 90