مارد يستيقظ.. وداعاً لهيمنة الدولار والاقتصاد الأمريكي على العالم

يقال: إن نابليون بونابرت هو أول من تنبّأ بخطر المارد الصيني وأطلق قوله الشهير “الصين تنين نائم احذروا من إيقاظه”!
وقد أخذ قادة العالم بمقولة بونابرت، بمن فيهم قيادات الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي حرصت ــ رغم الحرب الإعلامية والإعلانية ضد الصين ــ على إقامة شراكة اقتصادية مع المارد “شبه النائم” هي الأقوى في العلاقات التجارية العالمية!!
ولا شك أن المارد الصيني لم يكن يخطط ليستيقظ على مستوى العالم قبل العقد الثاني من الألفية الثالثة، لولا حدثين لم يكونا في الحسبان، وهما حدثان من صناعة الأمريكان: الحدث الأول قيام إدارة أوباما بشن حرب إرهابية على سورية باموال خليجية! والحدث الثاني فوز الأحمق دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية!
الحدث الأول دفع بالصين لاستخدام الفيتو في مجلس الأمن للمرة الأولى منعاً لتمرير قرارات تستهدف غزواً أطلسياً لسورية على غرار ماحدث في ليبيا، وهي رسالة صينية للأمريكان: نعرف مخططاتكم!
كان الفيتو الروسي كافياً ووافياً لحماية سورية من الاستهداف الأمريكي المباشر، والذي أعقبه عملية عسكرية واسعة ضد الإرهاب الذي يغزو سورية، إلا أن الصين أدركت أن ما يجري في سورية سيمتد آجلاً أو عاجلاً إلى أراضيها من خلال عودة الإرهابيين الذين خرجوا من أراضيها للانخراط في القتال ضد الشعب السوري بدعم الأمريكان!
أما الحدث الثاني فقد بدأ سريعاً من خلال استفزاز إدارة ترامب إعلامياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً للحكومة الصينية.
وإذا كانت الحرب العسكرية المباشرة غير واردة بين البلدين فإن ترامب يخطط لشن حرب اقتصادية ضد الصين! وهو جاد جداً بإعلان هذه الحرب وإلا بماذا نفسر تعيين مستشار اقتصادي له هو بيتر نافارو المعروف بعدائه للصين؟
لم تمض أسابيع قليلة على ممارسة ترامب لصلاحياته الرئاسية حتى أسرع مستشاره نافارو إلى تقديم اقتراح بفرض رسوماً بنسبة 45% على جميع المنتجات المصنعة في الصين!
ولا ندري إن كان المقترح سيشمل منتجات الشركات الأمريكية، وهي كثيرة وضخمة، ولها فروع ضخمة في الصين، إلا إذا كانت منافسة لمشاريع ترامب الاقتصادية!
ويخطئ ترامب كثيراً إن توهم أن الصين لن ترد بالمثل! وإذا فعلت فإننا سنشهد حرباً تجارية شرسة بين أقوى اقتصاديين في العالم، وهو ما حذّر منه محللون مصرفيون أمريكيون، وعندما يأتي التحذير من المصرفيين فهذا بالغ الدلالة والخطورة لأنه يشير إلى أن إدارة ترامب حمقاء ولا تدري مدى الخسائر التي سيتكبدها اقتصادها في حرب اقتصادية ضد الصين!
والمسألة جدية لأن ترامب بدأ الحرب فعلياً بفرض قيود على الواردات الصينية، وخاصة الصلب والآلات، ولا يتوقع المحللون المصرفيون الأمريكان أن يتراجع ترامب عن قراره، لكنهم يخشون الأسوأ كأنّ يتم فرض رسوم مرتفعة على جميع المنتجات المصنعة في الصين. وهذا يعني أن كلمة “جميع” قد تشمل أيضاً منتجات الشركات الأمريكية المصنعة في الصين.
والسؤال: هل ستقف الشركات الأمريكية الأم في أمريكا تتفرج على خسائرها، أم ستبادر إلى الضغط على ترامب للتراجع عن سياساته الحمقاء ضد الصين، ام ستبحث عن أسواق بديلة في دول البريكس مثلاً؟
وإذا حدث ذلك فالخاسر الوحيد هو الاقتصاد الأمريكي.. ونحن هنا لم نعرف بعد الإجابة على السؤال: كيف سيكون الرد الصيني؟
قد تختلط على الكثيرين أهداف سياسة ترامب الاقتصادية، فهو من جهة يغازل روسيا دون أن يتقدم باتجاهها خطوة واحدة – كإلغاء العقوبات عليها مثلاً – ومن جهة أخرى يفرض عقوبات على حليفيها، إيران والصين، ويهدد.. بالمزيد؟
ترى، هل ترامب أحمق فعلاً لدرجة أن يعتقد أن مثل هذه السياسات الصبيانية تمر على روسيا والصين وإيران؟
المشهد الآن كالتالي: ترامب يحذر ويهدد ويفرض العقوبات، والصين تنتظر وتراقب دون أي إشارة واحدة منها تنبئ عن خطوتها التالية التي ستفاجئ الجميع، كما فوجئوا بالفيتو الذي أعلنته عالياً، وبهدوء استفز الأمريكان والإنكليز والفرنسيين؟
يعيب ترامب “الأحمق” على الصين التلاعب بسعر صرف عملتها لتحفيز الصادرات وسرقة الأسرار التجارية! ترى هل توجد دولة في العالم تسبق أو تنافس أو تجاري أمريكا بالتلاعب بسعر صرف الدولار وتخفيض سعر النفط وسرقة أسرار الصفقات التجارية من الحلفاء قبل الأعداء؟
بالطبع لايمكن لأحد أن يقلل من حجم العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، أي بين أقوى اقتصادين في العالم. وتشير بيانات عام 2015 إلى أن الصادرات الصينية لأمريكا بلغت 410 مليارات دولار مقابل واردات منها لا تتجاوز 150.5 مليار دولار، أي أن الميزان التجاري بين البلدين يميل بوضوح لصالح الصين. وهذا “الميلان” سيستمر طويلا، ولكن جزءاً كبيراً من أرباح هذا التبادل التجاري تحصده فروع الشركات متعددة الجنسية التي يهيمن عليها شركات أمريكية، ما يعني أن الأمر أكثر تعقيداً من حسابات ترامب ومستشاره عدو الصين، وهذا الواقع يدركه جيداً المصرفيون لا السياسيون!.
لقد نجحت المصارف الأمريكية على مدى أكثر من أربعة عقود بإخفاء دور الصين المالي في الولايات المتحدة كي لا تظهر بأنها ضعيفة أمام المارد الصيني، أو لأنها كانت تخشى إيقاظه، ولم تكن بكين مهتمة بالكشف عن هذا الدور لأن طبيعتها تركز على الفعل لا القول. ولولا التقرير الذي نشرته وكالة “بلومبرغ”، في منتصف أيار 2016 لما عرفنا الحجم الهائل للصين في الاقتصاد الأمريكي. لقد كشفت الوكالة أن الصين تحتل المركز الأول على مستوى العالم بالاستثمار في الديون الأمريكية التي بلغت 1.244 تريليون دولار في آذار 2016.
ماذا يعني هذا الرقم الضخم؟ يعني ان اللاعب والمؤثر الفعلي في الاقتصاد الأمريكي هو الصين، وليس دول أخرى كدول كالخليج مثلاً!
لقد كشف تقرير “بلومبرغ” عن مفاجأة من العيار الثقيل بالنسبة لبيانات الدائنين للولايات المتحدة، فخلافاً لما روج له الإعلام على مدى العقود الماضية فإن دول الخليج الست (السعودية، الإمارات، الكويت، عمان، قطر، البحرين) مجتمعة تحمل سندات خزانة أمريكية تبلغ قيمتها 231.1 مليار دولار فقط (منها 117 مليار للسعودية) رغم امتلاك هذه الدول لأكبر الصناديق الاستثمارية السيادية في العالم!
ويبدو أن الولايات المتحدة ليست قلقة من حجم ديونها الخارجية مادام الاقتصاد “مدولراً”، فلا أحد يعرف حجم الأرباح التي تشفطه من الدولرة، فما من عملية مصرفية ولو كانت بعشرات الدولارات تتم إلا بعد حسم نسبة مئوية منها لصالح الخزينة الأمريكية.
لهذا، علينا أن نفتش عن سبب الغضب الأمريكي على الصين، وهو زيادة التعامل التجاري بالعملة الصينية “اليوان”، فقد أظهرت بيانات جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (سويفت)، منذ عام 2015، أن “اليوان” أصبح رابع عملة أكثر تداولاً في المبادلات الخارجية، وتستخدم أكثر من 100 دولة “اليوان” في مدفوعاتها التجارية، بل إن بيانات 2015 أظهرت أن 90% من المدفوعات العالمية باليوان تتركز في 10 دول من بينها بريطانيا بنسبة 21.6%.
وقد حققت الصين هذه النسب العالية بعد تخفيض عملتها، وهذا سبب غضب ترامب واتهامه للصين بالتلاعب بسعر الصرف لزيادة صادراتها، دون أن يشير إلى السبب الحقيقي وهو زيادة نسبة استخدام اليوان على حساب الدولار.
يضاف إلى كل ذلك ارتفاع احتياطيات الصين من النقد الأجنبي على نحو غير متوقع للمرة الأولى في ثمانية أشهر في شباط الماضي متجاوزة ثلاثة تريليونات دولار.
لذا نسأل: ما هي احتمالات أو حظوظ نجاح أي حرب اقتصادية يستعد ترامب الأحمق لشنها على الصين، ومن ينصحه بإغضاب المارد العملاق؟
وإذا كان هناك من مبالغة في الرهان على يقظة المارد الصيني، فلا مبالغة إزاء المارد الاقتصادي الآخر القادم بخطوات واثقة على مشهد الاقتصاد العالمي، ونعني به منظمات بدأ فعلها يقوى يوماً بعد يوم، كدول البريكس وشنغهاي.
وإذا مانجحت هذه الدول – حسب مخططها – بإقامة بنك خاص بها يحل مكان البنك الدولي وشقيقه الصندوق الدولي في تعاملاتها فيما بينها من جهة، وبينها ودول العالم المختلفة..
وإذا ماقررت هذه الدول استخدام عملاتها المحلية في المدفوعات العالمية..
فإننا سنكون فعلاً أمام مارد يستيقظ ليعلن آجلاً أم عاجلاً: وداعا لهيمنة الدولار والاقتصاد الأمريكي على العالم!
علي عبود

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 86 = 93