رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها: تطوير التعاون السوري الصيني

حوار خاص

ترتبط سورية والصين بعلاقات سياسية واقتصادية واسعة، وتأتي امتداداً للعلاقات الشعبية والتجارية بين البلدين عبر التاريخ، والتي بدأت قبل أكثر من ألفي عام مع “طريق الحرير” وتتواصل اليوم عبر تعاون البلدين في شتى المجالات، وانفتاحهما على المبادرات المشتركة لكليهما، والمتمثلة في مبادرة سورية “التوجه شرقاً” ومبادرة الصين “الحزام والطريق”.

وإذا كانت قيادتا البلدين والفعاليات الاقتصادية والشعبية تبدي حرصها اليوم أكثر من أي وقت مضى على تطوير هذه العلاقة، فإن الصناعيين السوريين هم من أكثر الأفراد رغبة بتوسيع مجالها، وخاصة في مجالات تبادل مستلزمات الإنتاج وإنشاء صناعات مشتركة وفتح الأسواق وتبادل السلع وتوفير التمويل ودعم التصدير باتجاهين ونحو أسواق المنطقة والعالم.

ويرى الصناعي سامر الدبس رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها في حوار جرى على هامش الملتقى السوري الصيني للتعاون الثنائي الذي نظمته السفارة الصينية بدمشق بداية شهر ديسمبر/ كانون أول الجاري، أن الصين تعد أنموذجاً فريداً يجب الاقتداء به في عالم اليوم، نظراً لما تقوم به من بناء اقتصادي واسع المنفعة على جميع الصينيين، ومن رؤية إنسانية نبيلة وجديرة بالاحترام في كيفية بناء الاقتصادات الوطنية، ومن إرساء علاقات اقتصادية إقليمية ودولية تعود بالنفع على كل الأطراف والدول في إطار ثنائية “الكل رابح –رابح”.

ويضيف إن تجاوب العالم كله من مبادرة الصين والرئيس الصيني شي جين بينغ والمسماة “الحزام والطريق” تعكس تلك المكانة الكبيرة التي تحظى بها الصين على مستوى العالم كله، وعلى مستوى الحكومات والشعوب والفعاليات الاقتصادية والصناعية بشكل خاص.

ويشير إلى أن التعاون الاقتصادي السوري الصيني قديم جداً، ذلك أن السوريون والصينيون كانوا قد اكتشفوا بعضهم البعض قبل اكثر من ألفي عام من خلال “طريق الحرير” الذي كان طريق تبادلٍ للمنتجات بين البلدين الصديقين، مضيفاً أن هذا التعاون قد تطور بشكل عميق منذ منتصف القرن الماضي، وتصاعدت وتيرته مع مطلع القرن الحالي على مستوى القطاعين الخاص والعام، بحيث يندر أن تجد مؤسسة صناعية في سورية، لا تعتمد في إنتاجها على مستلزمات الإنتاج القادمة من الصين أو على الآلات الصينية، وسواء في الصناعات الثقيلة في القطاع الحكومي، أو الصناعات الكيميائية والنسيجية والهندسية، وفي القطاعين الخاص والمشترك.

وبشأن ما يمكن أن تقدمه الصين في مجال إعادة تأهيل بنية القطاع الصناعي والمؤسسات الصناعية، يرى رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها أن سورية بلد متعدد الموارد والثروات، سواء الزراعية أو الاستخراجية والنفطية والمعدنية والصناعية، موضحاً أن سورية كانت في مقدمة دول الشرق الأوسط التي تعتمد على مواردها في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية وما يتصل بها في مختلف نواحي الحياة، إلا أن الحرب على سورية خلال السنوات الماضية أثرت بشكل كبير على البنية التحتية وضربت المؤسسات الصناعية في سورية في جميع المجالات، مبيناً أننا لمسنا كصناعيين اهتمام أصدقائنا الصينيين بتقديم الدعم لنا، وقد لاحظنا ذلك في اللقاءات المستمرة عبر مجلس الأعمال السوري الصيني وغرف الصناعة والفعاليات التجارية والصناعية والاقتصادية مع الفعاليات الاقتصادية والصناعية الصينية والتي عبرت عن رغبتها بتقديم المساعدة والنهوض بالعملية الإنتاجية، وتوسيع دائرة الاستثمار الصيني في سورية في مختلف المجالات، وسواء في عملية إعادة الإعمار وتجهيز البنية التحتية، أو تقديم التسهيلات للنهوض بالمؤسسات والمعامل الصناعية على اختلاف نشاطاتها الإنتاجية.

وبشأن كيفية الاستفادة من التجربة الصينية الناجحة في قطاع الصناعة والأعمال، يؤكد الصناعي سامر الدبس أنه من المنتظر أن تشهد سورية ورشة إعمار كبرى بعد الانتهاء من الحرب، وسيكون جانباً كبيراً منها موجهاً نحو إعادة تأهيل القطاع الصناعي، وخاصة أن الصناعيين في سورية كانوا أكثر الفئات المتضررة من الحرب الظالمة على سورية، وأدى ذلك إلى خروج مناطق صناعية كثيرة من العمل وتوقف آلاف المعامل وعشرات آلاف الورش عن الإنتاج وسرقة آلاتها ومستودعاتها وتخريبها، مبيناً أنه وعلى الرغم من الخسارة الكبيرة التي تكبدها الصناعيون، إلا أنهم كانوا  رديفاً حقيقياً للجيش والقوات المسلحة في التوجه مباشرة نحو إعادة تأهيل معاملهم بهدف الإقلاع بالصناعة السورية من جديد، ولقد بادرت غرف الصناعة السورية ومنها غرفة صناعة دمشق وريفها مع تحرير كل مدينة صناعية إلى تشكيل لجان للمتابعة بهدف تأهيل المدن الصناعية والعمل على توفير مستلزمات المعامل والمؤسسات الصناعية وبالتعاون مع الحكومة والوزارات ذات العلاقة، موضحاً أهمية المساعدة التي يمكن أن يقدمها الجانب الصيني والأصدقاء الصينيين في هذا المجال، ومن خلال تجربتهم الناجحة في بناء المدن الصناعية وصنع منتجات نوعية وتطوير العملية الصناعية والإنتاجية التي أبهرت العالم والتي يأمل الصناعيون السوريون الاستفادة منها وتطبيقها من خلال التشاركية مع الفعاليات الصناعية الصينية وبما يعود بالفائدة على القطاع الصناعي السوري العام والخاص، ولنا من خلال تجاربنا السابقة خير دليل.

وحول دور قوانين وأنظمة الاستثمار السورية في جذب وتأسيس صناعات مشتركة سورية صينية، وأبرز الصعوبات أو الإجراءات التي على الحكومة أو البرلمان التفكير بإقرارها وإصدارها لتشجيع المستثمرين الصينيين والأجانب على إقامة صناعات مشتركة، يقول رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها: قد لمسنا من خلال اللقاءات المستمرة مع أصحاب القرار في الدولة جدية الحكومة السورية في اتخاذ كافة الإجراءات التنظيمية والإدارية وإصدار القوانين والتشريعات اللازمة التي تساعد على زيادة جذب الاستثمار الأجنبي وخاصة الصيني إلى سورية، والتي يمكن أن تكون مبادرتا “الحزام والطريق” و”التوجه شرقاً” الداعم لها، إضافة إلى تشجيعها على تأسيس صناعات مشتركة سورية وصينية، وسورية وأجنبية، وهذا يتجلى في توجيهات القيادة السورية المستمرة نحو تذليل جميع العقبات التي تعوق تأسيس الصناعات المشتركة والعمل على تشجيع شركات إعادة الإعمار وحصرها بشركات الدول الصديقة الداعمة للشعب السوري خلال أزمته وفي مقدمتها الشركات الصينية.

وحول المزايا التي تمتاز بها سورية كي تجذب مستثمرين أجانب، وخاصة صينيين على إقامة صناعات مشتركة مع نظرائهم السوريين، يقول الصناعي سامر الدبس: إن سورية واسطة العقد في دول شرق البحر الأبيض المتوسط، وتتمتع بموقع جغرافي ممتاز، وتمر عبرها كافة الطرق التي تصل بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، مختصرة المسافات البرية والجوية والبحرية، وقد لمس العالم أجمع أهمية هذا الموقع خلال الأزمة السورية إضافة إلى موقعها السياحي والحضاري الحقيقي لكونها ذاكرة التاريخ لكل الأمم، وما تتمتع به من موارد نفطية ومعدنية وزراعية وخبرات كفاءات بشرية، وهو أمر انعكس على منتجاتها الصناعية وأعمالها التجارية المنتشرة في العالم، مشدداً على أنه إذا كانت الحرب على سورية قد تسببت بإحجام الاستثمار الأجنبي مؤقتاً عن القدوم إلى سورية، إضافة إلى تداعيات الحصار الاقتصادي، إلا أن الدولة السورية تواصل عملها في تهيئة البنى التحتية للمناطق الصناعية وتقدم كل مستلزمات إعادة عجلة الإنتاج الصناعي، ويضيف: أعتقد أن الفائدة ستكون عظيمة في تعاون الفعاليات الاقتصادية والصناعية السورية الصينية، وأنه من المهم أن يتواجد ملحق اقتصادي في سفارتنا في الصين وفي كل دول العالم لتوضيح أنظمة الاستثمار الصناعي والتجاري في سورية والعمل على التشبيك بين الفعاليات الصناعية والتجارية في كلا البلدين، وإقامة صناعات مشتركة.

وحول مجالات التصنيع التي يتم أن يتعاون فيها البلدان سورية والصين سواء على مستوى الصناعات الإستراتيجية أو تصنيع السلع بكل أشكالها الغذائية والتحويلية والكيميائية والمعدنية والالكترونية والأجهزة والسيارات، يقول رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها: إن التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين البلدين الصديقين سورية والصين كان لافتاً قبل سنوات الحرب، ونعتقد أننا بحاجة إلى توفير مقومات النهوض به، ولدى سورية كل المؤهلات والإمكانات القادرة على إقامة شراكات صناعية مع صناعيين ومستثمرين صينيين ومؤسسات صناعية صينية في العديد من المجالات، ومن بينها الصناعات الإستراتيجية كصناعة الاسمنت والأسمدة ومصانع فصل الهواء والصناعات النفطية والبتروكيماوية والصناعات المعدنية والطاقة والكهرباء وصناعة السيارات ووسائط النقل الثقيلة إضافة إلى الصناعات التحويلية والغذائية، ولدينا الخبرات اللازمة لذلك، إضافة إلى الموارد التي تحتاجها.

 

وحول الترويج للصناعة السورية في الصين والعالم، يقول الصناعي سامر الدبس: تواصل غرفة صناعة دمشق وريفها جهودها في دفع عجلة الإنتاج في المدن الصناعية ونشر المنتج الوطني في كافة المدن السورية من خلال مهرجان التسوق “صنع في سورية” الذي غطى جميع أرجاء المحافظات السورية، إضافة إلى تنظيمه خارج سورية بالتعاون مع اتحاد المصدرين السوريين، وكانت البداية في العراق، حيث شاركت /197/ مؤسسة صناعية سورية في عرض منتجاتها في مدينة المعارض ببغداد من خلال معرض ” صنع في سورية” والذي لقي تجاوباً شعبياً كبيراً وتستمر فعالياته في الفترة من /9/ إلى /29/ ديسمبر كانون أول الجاري /2017/ لافتاً إلى وجود خطة بتنظيم معرض “صنع في سورية” في العديد من الدول الصديقة، وسنعمل على تنظيمه في الصين بأقرب فرصة ومن خلال ملتقى الصناعيين السوريين والصينيين ومجلس الأعمال السوري الصيني، مبيناً في هذا المجال أن الشركات السورية ستشارك في معرض شنغهاي الدولي في الصين، وسيكون فرصة لعرض الصناعات السورية على الزائر الصيني والأجنبي.

وحول عقد ملتقيات تعاون اقتصادي صناعي وتجاري واستثماري بين سورية والصين، يؤكد رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها أن الحكومة السورية تعمل بالتعاون مع غرفة صناعة دمشق وريفها على عقد ملتقيات تناقش مجالات التعاون، والتي كان آخرها ملتقى التعاون الثنائي في بداية شهر ديسمبر/كانون الأول الجاري، وبالتعاون بين وزارة الخارجية والمغتربين السورية والسفارة الصينية بدمشق، وقد تناولت النقاشات الكثير من القضايا التي من شأنها زيادة حجم التبادل التجاري، إضافة إلى التواصل مع رجال الأعمال الصينيين ومن الدول الصديقة من خلال السفارات السورية في تلك الدول، وإنشاء مجالس الأعمال المشتركة معها للعمل على زيادة الترويج لفرص الإنتاج والاستثمار في سورية.

وحول المشاركة الصينية في معرض دمشق الدولي، ودور المعارض في التشبيك بين الصناعات السورية والصينية والأجنبية وإقامة صناعات مشتركة، يرى الصناعي سامر الدبس أن الدورة /59/ لمعرض دمشق الدولي التي أقيمت في آب الماضي، أرست حجر الأساس لتعاون سوري صيني كبير ومنتظر بين الفعاليات الاقتصادية والصناعية السورية والشركات الصينية في مختلف المجالات، وفي القطاعين العام والخاص، وسنشهد قريباً انعكاسات ونتائج الاتفاقيات التي أبرمت ما بين الشركات السورية والصينية في هذا المجال.

وبشأن الصعوبات التي تواجه زيادة تصدير السلع إلى الصين، يؤكد رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية تعيق عمليات تصدير المنتجات السورية وتؤثر على عمليات الاستيراد من الصين، ويترافق ذلك مع صعوبات في العلاقات المصرفية، علماً أن الحكومة السورية تقوم بتذليل كافة الصعوبات مما يساعد في زيادة التعاون الاقتصادي المشترك بين البلدين.

وحول دور البنوك في كلا البلدين في تعزيز التعاون الاقتصادي والصناعي والتجاري، يشير الصناعي سامر الدبس إلى أن التبادل الاقتصادي بين سورية والصين قبل الأزمة ساعد على تواجد منتجات كلا البلدين في أسواق البلد الآخر، إلا أن فرض العقوبات الاقتصادية الغربية على سورية وعلى البنوك السورية أدى إلى وقف التعاملات المصرفية وتوقف منح المساعدات للصناعيين على عقد اتفاقات تصدير، وبالتالي توقف تواجد المنتجات السورية في الأسواق الصينية، مضيفاً أنه في حال قيام البنوك الصينية بافتتاح فروع معتمدة لها في سورية، فسوف يساعد ذلك على عقد اتفاقات التصدير إلى الصين وتطوير التعاون الصناعي والاقتصادي والتجاري بين البلدين ودول العالم وسيكون دعماً لمرحلة إعادة الإعمار في سورية.

تاربخ النشر: 14-12-2017

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 43 = 46