العالم يبحث عن قيادة .. بقلم الدكتور شاهر إسماعيل الشاهر

342

23 نيسان 2020

د. شاهر إسماعيل الشاهر
كلية الدراسات الدولية- الصين
تخوض الصين اليوم معركة كبيرة لا نبالغ ان اعتبرناها بمثابة حرب عالمية ثالثة، فتقاتل على عدة جبهات: أولها على الصعيد الصحي والبحث عن علاج لمكافحة فيروس كورونا، وثانيها على الصعيد الاقتصادي وما تعرضت له من خسائر كبيرة نتيجة لموقفها الحازم المتمثل بالحفاظ على الانسان أولاً وقبل كل شيء، ثم يأتي بعد ذلك العمل والإنتاج والاقتصاد، أما الجبهة الثالثة وهي الأخطر والأكثر شراسة وخبثاً والتي تتمثل في الحملة الإعلامية الكبيرة التي تحاول طمس الحقائق وتشويه صورة الصين أمام العالم والتي بدأت قبل أزمة الكورونا من خلال التحريض ضد الصين تحت مزاعم اضطهاد المسلمين، ثم أصبحت تسعى الى تشويه الدور الكبير الذي تقوم به الحكومة الصينية لمواجهة المرض، والذي عرى الدول الكبرى وكشف عجزها وأظهر للعالم حقيقة التوحش الرأسمالي وعدم إعطاء أي قيمة للانسحان في المجتمعات التي تتشدق بحقوق الانسان وتتظاهر بزيف الديمقراطية.
لقد اتضح لنا أن الأوروبيون والغرب عموماً، لم يكونوا في الواقع كصورتهم المرسومة في أذهاننا أو كما كنا نعتقد، واتضح أن اوروبة قارة عجوز بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتبين لنا جلياً من هي الدول الفاشلة والنظم الهشة غير القادرة على مواجهة أية أزمة.
لقد انتصرت الصين في الحرب العالمية الثالثة دون إطلاق ولا حتى رصاصة واحدة، ذلك أن الصين بقيت دوماً دولة محبة للسلام وساعية لتحقيقه في أرجاء المعمورة. ذلك أنها أدركت أن العلم والتكنولوجيا هو السلاح الأقوى في معركة البشرية ضد الأمراض. فلا يمكن للبشرية هزيمة كارثة كبيرة أو مرض خطير دون التطور العلمي والابتكار التكنولوجي. فركزت على أهمية تنسيق البحوث بشأن تعقب مصدر الفيروس وطرق انتقاله وتقييم ما إذا كانت بعض الحيوانات المشتبه فيها عوائل وسيطة. ودعت الحكومة الصينية إلى التخلص من العادة السيئة الخاصة بتناول الحيوانات البرية لتدعيم نمط حياة متحضر وصحي وصديق للبيئة.
وأدركت الصين منذ البداية أن الموت لا يميز بين الأديان أو المذهب أو العرق، أوالجنس أواللون، وأن الإنسانية كيان واحد لا يمكن أن يكون بخير اذا كان جزء منه ليس بخير. لذا، وبعد الانتصار الكبير الذي حققته الصين في القضاء على الفيروس في ووهان انتقلت لمساعدة جميع دول العالم عبر تزويدهم بكل ما توصل إليه الخبراء الصينيون من معلومات عن الفيروس، ليس ذلك فحسب بل انتقلت الصين الى ارسال المساعدات الطبية والطواقم الطبية المدربة الى الدول المنكوبة، وكان ذلك بطريقة مدروسة وبتخطيط كبير حيث تم تكليف كل إقليم في الصين بدعم دولة في حربها ضد الكورونا، فعلى سبيل المثال تم تكليف مقاطعة شنغهاي Shanghai بمساعدة إيران. ومقاطعة جواندونج Guangdong لتحارب المرض في العراق. أما مقاطعة سيتشوان Sichuan فتحارب في إيطاليا، ومقاطعة جيانسو Jiangsu تحارب في الباكستان، ومقاطعة جيانشي Jiangxi تحارب في تونس…إلخ.
كما قامت السفارات الصينية في كل دول العالم بتقديم النصح والمشورة وارسال المساعدات الطبية اللازمة، ومن هذه الدول كانت سورية التي قدمت لها الصين الكثير من المساعدات بالإضافة الى الدعم الصيني لسورية في مجلس الأمن عبر المناداة برفع العقوبات عن الحكومة السورية ليتسنى لها مواجهة كورونا.
كما أثبت الحزب الشيوعي الصيني قدرة كبيرة في الوصول إلى جميع الأحياء والتجمعات السكنية عبر كوادره المنتشرة التي قامت بتأمين الاحتياجات لكل منزل دون مبالغ إضافية، بل قدمت بعض الهدايا من خضار وفاكهة بشكل مجاني مرة في الأسبوع. وتعاملت الحكومة الصينية مع الأجانب والسكان المحليين سواسية، وأبدت لهم نفس الرعاية والاهتمام وفتح العلاج بالمجان للجميع، بينما شاهدنا بريطانيا تقدم العلاج المجاني فقط للبريطانيين غير المجنسين وأعلنت أن الأولوية لهم في المشافي وفي استخدام أجهزة التنفس الاصطناعي.
أما الولايات المتحدة الامريكية فقد قادت حملة ضد الصين، لأسباب لا تخفى على أحد، فالصين اليوم هي القوة الاقتصادية الصاعدة بقوة، صاعدة بعيداً عن القوة واغتصاب الحقوق وتدمير الدول، صاعدة من خلال الانتقال بالعلاقات الدولية من النظرية الواقعية بما تحمله من حروب ودمار، إلى الاعتماد المتبادل والتشاركية والمنافع المتبادلة بين الدول والتي تجسدت بمشروع الصين الاستراتيجي (الحزام والطريق) الذي طرحه الرئيس شي جين بينغ في العام ٢٠١٣.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد هاجم الصين واطلق على الكورونا اسم (الفيروس الصيني) متجاهلاً أن الولايات المتحدة كانت مصدر فيروس انفلونزا الخنازير (إتش1إن1) في العام 2009 والذي انتشر إلى 214 دولة ومنطقة، وأسفر عن وفاة 18449 شخصاً في تلك السنة.
واليوم، أصبح من الواضح للجميع أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد قادرة على البقاء في مركز الريادة وتحمل نفقات قيادة العالم، وبالتالي لم تعد أميركا هي الدولة الرائدة في العالم، ولعل ما نشاهده من عجز كبير في طريقة تعاطي الإدارة الامريكية مع أزمة كورونا خير دليل على ذلك، والذي توج بإعلان الرئيس ترامب أنه لن يدفع الأموال المترتبة على الولايات المتحدة لمنظمة الصحة العالمية والتي تبلغ ١٥٪ من تمويل هذه المنظمة.
إن الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءاً في العالم وهناك آلاف الشركات ستعلن إفلاسها قريباً في أوروبا و أمريكا. بينما الشركات الصينية عادت للإنتاج بقوة وسرعة كبيرة وهو ما سيساعد الصين على تقليص الفجوة الاقتصادية بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وستلعب تقنية الجيل الخامس دوراً كبيراً في ذلك.
وسيكون جزء من مستقبل العالم يتمحور حول ما اذا كانت الصين قادرة وراغبة في تحمل نفقات قيادة العالم أم لا ؟ .

المصدر: سفير برس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 + 1 =