طريق الحرير.. الصين منطلقاً

عوالم كاملة من الصور والرحلات والذكريات تعبر على مخيلة القارئ عندما يرد ذكر “طريق الحرير”.. مشاهد قوافل تمر عبر الصحراء والواحات.. جمال محملة بالنفائس من الحرير من الصين، والياقوت واللآلئ والتمور والزعفران والفستق من بلاد فارس، والزجاج من مصر، وخشب الصندل وشتى أنواع العطور.

إحياء طريق الحرير والمرور عبر مدن ومناطق كثيرة كانت يوماً ما محطات على سبيله تدفعنا للتفكير بالفرق بين الرحلة التي يمكن اليوم أن تستغرق ساعات وبين الرحلة التي كانت تستغرق حينها اكثر من مئتي يوم وتنقل البضائع على مئات الجمال التي كانت تقف في عشرات المحطات حتى تصل إلى المكان المنشود.

كيف بدأ طريق الحرير:

يرجع تاريخ طريق الحرير إلى عصور قديمة عندما طلب الملك “هان وو دي” من سلالة هان من “تشانغ تشيان” الصينية أن يذهب من العاصمة “تشانغان “حاليّاً(XIAN)  عام137  ق.م إلى المناطق الشماليَّة الغربيَّة من الصين لإقناع القبائل هناك بالتضامن معه للقضاء على فتنة داخليَّة، حيث استغرقت الرحلة13 عاماً، عاد بعدها إلى العاصمة بعد رحلة أسطوريَّة تكبّد خلالها الأسر مرّتين وقطع الجبال الشاهقة وتاه في الصحاري المهلكة. عاد من دون تحقيق الغاية العسكريَّة لكنّه حقّق الانفتاح الاقتصاديّ.  وأعاد الكرة ثانية عام 119 ق.م بقافلة كبيرة ضمّت البضائع المختلفة وبدأت القبائل على جانبي الطريق تُبادل، تشتري وتبيع حتّى نهاية الصين عند مدينة “كشغر”. ومن هذه المدينة انطلق التجّار عبر آسية الوسطى إلى كافّة أنحاء العالَم المعروفة آنذاك.

تسمية طريق الحرير:

حمل طريق الحرير أسماء كثيرة، مثل “طريق اليشم” و”طريق الأحجار الكريمة ” و”طريق البوذية” و”طريق الفخار والخزف” وغيرها، ولكن كل اسم من تلك الأسماء كان يخص جزءاً من طريق الحرير، وفي عام 1877، أطلق عليه عالم الجغرافية الألماني فرديناند فون ريشتهوفن “طريق الحرير” لأول مرة، فطغت هذه التسمية على كل التسميات الأخرى، وذاعت وانتشرت لوقعها الحسن على المسامع والنفوس، وملمسها الناعم على الإحساس، وقيمتها المادية الكبيرة… ولما كان لتجارة الحرير الصيني من أثر كبير في تطور وازدهار العديد من البلدان”.

طريق الحرير هو ممرّ سلكته القوافل عبر قرون طويلة لإيصال البضائع من جنوب غرب الصين حتّى روما عاصمة أوروبا. وهو على نوعين: الطريق البرّيّ وهو الأهمّ والأشهر، والطريق البحريّ وهو المرادف في حال تعذّر سلوك الطريق البرّيّ.

مراحل طريق الحرير البرّيّ:

المرحلة الأولى: مدينة تشانغان “شيان حالياً” هي نقطة البداية لطريق الحرير، تلك المدينة التي كانت تبلغ مساحتها في ذلك الوقت 84  كيلو مترا مربعاً، وتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، فكانت أكثر مدينة سكاناً بالعالم، وتعد هذه المرحلة هي الأصعب لان خطها ليس مستقيماً بل يشكل بعض الخطوط الإشعاعية على خط مستقيم ليصل إلى الشمال الغربي مدينة “كشغر”.

المرحة الثانية: رحلة آسية الوسطى حتّى إيران رحلة الوهاد الوعرة والممرّات الخطرة، تبدأ بممرّ ضيّق بين حواف هضبة غوبي وسفوح التيبت، أي بين طاجاكستان وقرغيزيا حيث توجد مدينة “فرغانة” حتّى الوصول إلى سمرقند الهامّة جدّاً ثمّ بخارى في أوزباكستان (العاصمة طشقند) ثمّ مرو في تركمانستان (العاصمة عشق أباد) ثمّ مشهد ثمّ طهران (في إيران). طهران القريبة جدّاً من بحر قزوين، والأمل بالوصول إلى بلاد الشام وما بين النهرين.

المرحلة الثالثة: ما بين النهرين وبلاد الشام، المرحلة الأسهل، من طهران إلى مدن دجلة( بغداد) حيث الراحة والأمان، ثمّ الصالحيَّة على الفرات المقابلة مباشرةً لتدمر وأقصر الطُرق إليها، ثمّ تدمر، ثمّ نهر العاصي بعد قطع البادية السوريَّة: حمص – حلب – أنطاكية – البحر المتوسّط.

نشأة طريق الحرير البحري:

كان هذا الطريق ينشط عندما تضعف الإمبراطوريات أو بتعرض الطريق البري للهجوم فتشكل في عهد أسرة “هان” الطريق وأصبح ممراً سالكا بعد أن استوعب الناس تقنية صنع السفن وتقنية الملاحة، شق الإمبراطور “وو دي” في أسرة “هان” طريق الحرير البحري وبدأت التجارة مع روما عن طريق الهند عبر البحار وتمت إقامة العلاقات التجارية مع الخارج وزادت الأسواق الخارجية وخطوط المواصلات البحرية فتشكل طريق الحرير البحري تدريجياً ويقسم إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: من مدينة شنغهاي الصينية مرورا بفيتنام حتى المضيق بين ماليزيا واندونيسيا حيث توجد سنغافورة حالياً.

المرحلة الثانية: من سنغافورة إلى سيرلانكا ( سيلان قديماً).

المرحلة الثالثة: من سيرلانكا إلى بومباي” الهند” ثم إلى مسقط في عمان أو عدن في اليمن

من عمان: إما إلى شط العرب وعبر دجلة حتى بغداد ثم إتمام الطريق البري أو إلى سواحل إيران ومنها إلى طهران ثم الطريق البري.

من عدن: إما براً إلى دمشق، أو بحراً غبر مضيق باب المندب حتى العقبة ثم الطرق البري أو الإسكندرية عبر مصر.

يحمل طريق الحرير البحري العديدة من الألقاب مثل لقب طريق الفخار والخزف البحري وطريق التوابل البحري.

ماذا كان ينقل طريق الحرير:

غالبا سنقول الحرير تلك المادة الأسطورية الغريبة التي شغلت العالم في تلك العصور لأيام وسنين وحقبات حتى عُرف السر العظيم، عدة روايات قيلت وغموض كثير لف حول تلك الأعجوبة كما يلف الخيط حول الماكينة، يروى أن الإمبراطورة (تسومنج) زوجة الإمبراطور (هوون)، وهي سيدة دخلت إلى عالم الأساطير في تلك البلاد بوصفها ساحرة الصين الكبرى، وقد الفت أقدم كتاب في العالم كله ـ بعد الكتاب الفرعوني المعروف باسم (كتاب الموتى) ـ ولم يكن كتابها معروفا حتى قامت الثورة الصينية في العقود الأولى من منتصف القرن الماضي، فشكلت لجنة لفحص الكتاب وترجمته إلى الصينية الحديثة، وأعطته اسم (مجموعة الإمبراطورة تسومنج)، والحقيقة إن اللجنة وفقت تماما في اختيارها لهذا الاسم، لأن الكتاب يحتوي على أكثر من ألف وصفة طبية لعلاج الأمراض المختلفة، بالإضافة إلى أسرار بعض الصناعات الصينية، واحتوى كذلك على فصل لأهمية العلاج بالإبر الصينية، حيث كانت الإمبراطورة نفسها تستخدم إبراً ليست من المعدن أو الحديد، أو الفضة والذهب، وهي الإبر التي تستخدم الآن، وإنما كانت عبارة عن أشواك نبات تستنبته في حديقتها الخاصة، ولم يخل كتاب الإمبراطورة من احتوائه على نصائح بالغة الأهمية للشباب المقدمين على الزواج. أما كيف تم اكتشاف الحرير، وأصبحت صناعته سرا من الأسرار التي يصعب الوصول إليها، فقد جاء ذلك على لسانها في الكتاب، حيث كتبت تقول:

“كان لي غرام كبير بمطاردة الفراشات في حدائق قصوري ومزارعي، وذات يوم عثرت على مجموعة من شرنقات هذه الفراشات، فأخذتها على أمل أن استخدمها في صناعة الأدوية، لكن حدث بعد أن سُكب على الشرنقات بعض الماء الساخن، فإذا هي تغدو لزجة، ويبدو من بعضها طرف خيط دقيق جداً.. ومرة بعد أخرى، حاولت الإمساك بطرف هذا الخيط، إلى أن تمكنت من سحبه لثلاثة أمتار دون أن ينقطع، أدركت عند ذلك: إن هذه الشرنقة ليست إلا (بكرة) لُفت عليها خيوط دقيقة قد تصل إلى الميل طولا، ثم لم ألبث أن أدركت العلاقة بين هذه الشرنقة وبين الدودة التي تصنعها، وتلف الخيوط حول جسدها كالأكفان!! أخذت عدداً كبيراً من الديدان وقدمت لها أوراق شجرة التوت كغذاء حتى حصلت على أعداد كبيرة من الشرنقات، ثم عالجتها بالماء الساخن، وبأنواع معينة من الزيوت، فحصلت على الخيوط الحريرية، ومنذ ذلك اليوم، احتكرت صناعة أقمشة الحرير”.

ومن القصص المثيرة التي دارت حول حفظ سر الحرير، قصة ذلك الوزير”زانج كيان الذي أرسله الإمبراطور (وودي) عام (138 ق.م) كي يجلب إلى الصين خيولاً عربية ورومانية ضخمة بدلاً عن تلك الخيول الصينية القصيرة، والصغيرة الحجم، ولكنه لم يعد إلى بلاده إلا بعد عشرة أعوام مريضاً محطماً، بعد أن تعرض للسجن في مقاطعة (كوشان) الهندية بسبب أنهم كانوا يريدون منه أن يطلعهم على سر صناعة الحرير، لكن الوزير لم يبح لهم بذلك السر إلى أن تمكن من الفرار.

وعندما أبرمت معاهدة صداقة مع الرومان، كان من بين طلبات الإمبراطور الروماني (كراسيوس)، الوقوف على سر صناعة الحرير لكي يتمكنوا من إنتاجه داخل الإمبراطورية الرومانية، لكن المفاوض الصيني، تحجج بأن صناعة الحرير مرتبطة بالطقوس الدينية، وليس هناك من يفهم أسرارها إلا البراهما والرهبان، ورجال الدين، فاكتفى إمبراطور روما بالحصول على احتكار بيع الحرير في الشرق والغرب، لكن الإمبراطور الروماني (تراجان) لم يكتف بمطالبة الصينيين بأن يكشفوا له عن سر صناعة الحرير، بل أمر حشدا من علماء الرومان الذين تخصصوا في صناعة الكيماويات بفحص وتحليل القماش الحريري، في محاولة منه للوصول إلى سر صناعته، وبعد محاولات وتجارب كثيرة في هذا الصدد كتب العالم الكيماوي الروماني “ليسنيوس”:لقد فحصت القماش الحريري الصيني جيدا، ولم أصل إلى سر صناعته، ولكن من المحتمل انه من أصل نباتي، وأرجح أن الصينيين يجمعون بطريقة ما “أوبارا”( أنواعا معينة من أوراق الشجر )، اوبارا ناعمة، بالغة النعومة، ثم يصنعون منها هذا القماش اللامع البراق بطريقة مجهولة لنا.

وليس الحرير وحده الذي كان يعتبر سرا من الأسرار في الصناعات الصينية التي حاول الأباطرة الاحتفاظ بها وعدم تسريبها إلى خارج بلادهم، وإنما هناك صناعات أخرى تفردت بها الصين، كالورق، والسيراميك، والسبائك الحديدية، والبرونزية، وحروف الطباعة المتحركة، فكل هذه الصناعات كانت أسرارا، لا يعرف فك رموزها إلا الصينيون أنفسهم.. ومن اجل الحفاظ على هذه الأسرار، فإن طريق الحرير كان شاقا.0

الذهب – الفضّة – الأقمشة المحاكة – الميداليات – الكتّان – الأحجار الكريمة.. والأهمّ هو البلّور الذي اخترعه الفينيقيّون، وأصبح مظهر غنى في الصين كما هو حال الحرير في أوروبا، بشكل عامّ كان طريق الحرير ينقل ما خفّ حمله وغلا ثمنه. فلم نسمع عن نقل أطعمة أو نباتات أو حيوانات (إلاّ الصغيرة والنادرة جداً: القطط السياميَّة، مثلاً.

طبعاً لم يقتصر الأمر على الماديات فقط بل تنقلت الروحيات وخلقت لها عوالم وأماكن كثيرة على ذلك الطريق السحري فتعرف الناس على ثقافات جديدة واديان أوصلتهم إلى مصاف الروحانية فالبوذيَّة انتقلت من الهند نيبال، من جبال التيبت إلى جنوب شرق آسية وشمالاً باكستان وأفغانستان وشرقاً حتّى اليابان وكوريا و الصين من خلال التبادلات الثقافية بين الشرق والغرب بعد فتح طريق الحرير، وأثرت على ثقافة الصين تأثيرا عظيما، وقد أصبحت جزءا من ثقافة الصين.

“الزردشتيَّة” انتشرت في إيران وحاولت المرور شرقاً وغرباً، “الكونفوشيَّة”: انتشرت في الصين ومنغوليا.

المسيحيَّة: خاصّة السريان والنساطرة الذين وصلوا الهند والصين. وما زالت الكنيسة السريانيَّة نشطة هناك.

“المانويَّة “في ماردين ووصلت عبر طريق الحرير إلى الهند وأسّست ديانة انتشرت بشكل كبير في الهند وإيران والعراق وسورية ثمّ اندثرت.

“الإسلام”: فجميع المناطق الإسلاميَّة في آسية موجودة على طريق الحرير البرّيّ كشمير، أفغانستان، باكستان، جمهوريّات آسية الوسطى، وأخيراً، إيران.. الطريق البحريّ: ماليزيا – اندونيسيا – جزيرة سيرلانكا، ثمّ عمان.

انتقلت الثقافة والعلوم والتكنولوجيا الصينية إلى الغرب عبر طريق الحرير، ومن ذلك فنون التعدين وحفر الآبار وتربية دود القز والمعلومات في مجالات الفلك والطب والموسيقى والعمارة وغيرها. أثر الفن الصيني على فنون آسيا الوسطى وآسيا الغربية تأثيرا كبيرا. وعندما شن المغول حملة تأديبية على الغرب، انتشر كثير من الرسوم الصينية إلى آسيا الوسطى وآسيا الغربية، فبدأ الناس هناك يدرسون فنون الرسوم الصينية. وانتشرت المخترعات الصينية الأربعة “صناعة الورق والطباعة والبوصلة والبارود” وتركت أثرا كبيرا على تطور حضارة العالم. بفضل انتشار صناعة الورق والطباعة إلى الغرب، انتشر الورق في الغرب، فانخفضت كلفة الكتاب بشكل كبير، وصار التعليم أكثر انتشارا، وعزز تطور الثقافة الغربية. دخلت البوصلة إلى أوروبا في القرن الثاني عشر، وكان استخدامها في الملاحة معينا لرحلة كريستوفر كولومبوس لاكتشاف أرض القارة الأمريكية والرحلة الملاحية العالمية لفرناندو ماجلان.

دخلت الحضارة الغربية إلى الصين عبر طريق الحرير، فنون السحر والموسيقى والرقص، فن النحت وغيرها من الغرب إلى الشرق. وبعد أن دخلت الموسيقى والآلات الموسيقية وغناء ورقص القوميات المختلفة في أنحاء آسيا الوسطى إلى الصين، أثرت تأثيراً كبيراً على موسيقا الصين التقليدية، حيث انضمت بعض الآلات الموسيقية الفارسية مثل كونغهو وبيبا (العود الصيني) إلى مجموعة الآلات الموسيقية الصينية التقليدية قبل سنوات طويلة، كما دخل الصين التقويم العربي والطب العربي. على سبيل المثال، في عام 961، زار العالم الفلكي” ما يي تسه”من الأناضول الصين تلبية لدعوة من أسرة سونغ (960- 1279م)، حيث شارك في تأليف ((تقويم ينغتيان)، وتولى منصب مدير مؤسسة الأرصاد الجوية وحساب التقويم.  وفي أسرة يوان (1206- 1368م)، ظلت مؤسسات الأرصاد الجوية وأكاديمية الطب الإسلامي موجودة، وعندما تأسست أسرة مينغ (1368- 1644 م) كان “التقويم الإسلامي” لا يزال مستخدما.

شيء آخر كان ينقل على طريق الحرير وهو وجود الأمن هذا الأكثر أهمية والذي كانت الدول الكبيرة والصغيرة المتناثرة على طول هذا الطريق تعترف به ضمنياً وتسعى لتثبيته لضمان استمرارية الطريق ففي القرن الثالث عشر كان يقال أنه لمدة مائة عام كان بوسع أي امرأة أن تحمل الذهب والجواهر وتمشي لوحدها من الصين إلى تركيا دون أن تتعرض للأذى، فبقدر ما كانت الدول قوية كان طريق الحرير البري يزدهر وفي حال الضعف، فالصين بسلالتها الثلاث والإمبراطورية البيزنطية والفارسية والإسلامية حتى الإمبراطورية المغولية(جنكيز خان- هولاكو- تيمورلنك) والتي تعتبر من ميزاتها النادرة برغبتها الأكيدة في المحافظة على تجارة وسلامة هذا الطريق، فكانت تؤمن الخانات والنزل لتأمين متطلبات القوافل من مبيت وسكن وطعام وأماكن إيواء وتغذية للجمال وأماكن للسهر واللهو ودور للعبادة لكل الديانات والطوائف.

لماذا تريد الصين إعادة إحياء طريق الحرير:

أعربت الصين في أكثر من مناسبة ومؤتمر يكون لها فيه حضور عن رغبتها ونيتها في إعادة إحياء خط طريق الحرير وبدأت بعدة خطوات جادة في هذا المجال، ولربما يعود إصرار الصين واهتمامها بهذا الطريق واتجاهاها نحو منطقة الشرق الأوسط إلى الحضور الاقتصادي للصين في دول منطقة الشرق الأوسط الذي يتزايد بقوة وينتشر بشكل سريع، ويمكن ملاحظة ذلك في عدة اتجاهات حيث إن حاجة الصين الماسة لنفط منطقة الشرق الأوسط جعلت الصين من أهم مستوردي النفط، فقد تجاوزت الصين الولايات المتحدة الأمريكية في تحولها إلى أكبر مستورد للنفط الخام في العالم وتعد السعودية أكبر مصدر لمستوردات الصين من النفط، حيث تمتلك شركات النفط السعودية مصفاتين للنفط في الصين.

وفي اتجاه آخر للاهتمام بالمنطقة وتتمثل في رغبة الصين في دعم صادراتها وتعزيز تبادلها التجاري مع منطقة الشرق الأوسط، فقد زاد حجم التبادلات التجارية بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا بنحو خمسين ضعف طوال السنوات العشرين الماضية وربما تتطلع أيضا ليكون لها نصيب في بناء اقتصادات خارج نطاق النفط حيث تتمتع تلك الاقتصادات بالقدرة على خلق فرص عمل للشريحة الأكبر من التركيبة السكانية في قطاعات مختلفة كالسياحة والطيران والتكنولوجيا وغيرها. قنقوم الصين بإطلاق مفاوضات كثيرة لعقد اتفاقات مع أكثر من بلد، وهذا من شانه أن يجعل الصين تلعب دورا مهما في دعم التنوع الاقتصادي ومستقبله في منطقة الشرق الأوسط.

في مقلب آخر يرجع فيه الاهتمام الصيني في خط الحرير وإحيائه إلى ربط المنطقة بروابط مالية أوثق تحرص فيها على ترسيخ عملتها في المنطقة، حيث أصبح “اليوان الصيني” العملة المختارة لتسوية العلاقات التجارية بين الدول القائمة على طول طريق الحرير الجديد،ومع نمو العلاقات التجارية القائمة بين دول الشرق الأوسط بدأت الشركات تدرك أهمية مزايا تمويل التدفقات التجارية والاستثمارية بـ”اليوان الصيني” مقابل الدولار الأمريكي واليورو، يمكن ملاحظة العديد من المميزات لاستخدام العملة الصينية حيث أنها تدعم كفاءة الأعمال في المنطقة وتحولها إلى عملة مطلوبة بازدياد في حركة التبادل التجاري للشركات.

سبب آخر وليس أخير في الاهتمام يعود إلى عدم رغبة الصين في البقاء تحت المظلة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، فالصين تمتلك نفوذا أكبر من النفوذ الأمريكي في إيران خاصة ، والصين مدركة على أنها أقل قدرة على تحمل نتائج حرب مدمرة إذا ما اندلعت في الشرق الأوسط، بينما الولايات المتحدة الأميركية تجدها تارة تشارك في إسعار النار لزيادة الحرائق في المنطقة وتارة تسعى إلى إطفائها، متخبطة في القرارات،وهذا ما قد يحجب الرؤية عنها في اغتنام الفرص التي تسعى إليها الصين.

العلاقات الصينية الثنائية الشرق أوسطية:

تعتبر الصين اليوم واحدة من الدول الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط وشريك رئيسي في الأحداث الجارية، هي لاعب دولي مهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا بريطانيا وروسيا، فالصين عارضت مشروع مجلس الأمن لإدانة الدولة السورية، حتى لا يتكرر سيناريو ليبيا.

تبدو العلاقات الصينية – الشرق أوسطية نوعاً ما معقدة ومتداخلة، فالصين تقيم علاقات مع إسرائيل وفي الوقت نفسه تدعم وتؤيد القضية الفلسطينية، تقيم علاقات قوية مع السعودية وفي نفس الوقت علاقات متينة مع إيران، هذا ما يمهد ويفتح العديد من المجالات والاتجاهات .

فنجد الحضور الصيني في عدة دول

كازاخستان وتركمنستان: حيث كثفت الصين استثماراتها من خلال مشروعين أساسيين للبنية التحتية وهما خط أنابيب النفط “كازاخستان – الصين” وخط أنابيب الغاز “تركمانستان – الصين” (والمعروف أيضاً باسم خط أنابيب الغاز “آسيا الوسطى – الصين”) الذي بُدئ العمل فيه ويمتد على طول 1833 كم من الحدود الصينية وحتى داخل الأراضي التركمانستانية، إضافة إلى 37 مشروع استثماري صيني جاري العمل فيها داخل تركمانستان.

إيران: عقدة الخليج والدولة صاحبة الاقتصاد المطلوب عالميا والتي تثير اهتمام الدول المستهلكة للطاقة بما فيها الدول التي تبدي عداء مباشر معها. يعد النفط هو المحور الأساسي والرئيس في العلاقة الصينية الإيرانية في عام 2009، بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين وإيران 21.2 مليار دولار. وتعمل أكثر من 100 شركة حكومية صينية في إيران. ولا تقتصر العلاقات على مجال الطاقة بل تتعداها إلى مجالات أخرى كالسلاح والتجارة والتعاون السياسي والعلاقات الثقافية، وقد ساعدت الصين إيران لمواجهة التقدم العراقي وتحقيق التكافؤ مع العراق، وترجيح الصراع في بعض الأحيان لمصلحة إيران إبان الحرب العراقية -الإيرانية، وأقامت الشركات الصينية مجموعة من المشاريع الضخمة في إيران، طرق سريعة، وجسور وسدود ونظام المترو في طهران وتطوير القطاع النفطي في التدريب والتكنولوجيا، وساعدتها في مضاعفة إنتاج النفط، كما قدمت المنصات والمصافي وخطوط الأنابيب والتنقيب عن النفط والغاز والخبرة والتدريب، وساعدتها أيضًا في برنامجها النووي، وهناك أيضًا علاقات ثقافية حيث يوجد مركز كونفوشيوس في إيران والجناح الإيراني في معرض شنغهاي و أيضا في مجال السينما.

ولإيران أهمية خاصة لدى الصين لأن لها حدوداً مع بحر قزوين والخليج العربي. وفي الخليج ترى بكين إيران كوسيلة لتحقيق توازن أمام الدول العربية المدعومة من قبل الولايات المتحدة، بتصورها أن البحرية الأمريكية غير قادرة على إغلاق الخليج تماماً، طالما تسيطر إيران حليفة الصين على الجانب الشرقي منه. كما أن طهران هي أيضاً طرف رئيسي في “طريق الحرير” البري والبحري للصين، حيث تتطلع بكين إلى زيادة الروابط بواسطة خطوط السكك الحديدية، بل وربما إنشاء قاعدة بحرية في إحدى الجزر الإيرانية.

السعودية: تطورت العلاقات السعودية-الصينية بسرعة على مدى العقود الثلاثة الماضية، وقد أبرمت في العام 1988 صفقة مهمة للسلاح كان لها أثر إيجابي دائم على الشراكة السعودية-الصينية في مجالات عدة في الطاقة والتجارة والتبادل الثقافي،.. وتوفر السعودية النفط للصين وبالمقابل توفر الصين السلع الاستهلاكية.

وتواجه العلاقة الصينية-السعودية مأزق العلاقة مع إيران وإسرائيل، وإن كان البلدان يؤيدان التسوية السلمية للصراع، كما أن السعودية محبطة من الموقف الصيني مما يجري في سورية حيث استخدمت الصين حق النقض الفيتو في مجلس الأمن عدة مرات مما منع الجهود لإدانة الحكومة السورية، وانتقد الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية الموقف الروسي والصيني، ولكن الصين تحاول عدم استعداء السعودية أو استفزازها، ويتدفق أكثر من نصف النفط السعودي حالياً إلى آسيا مقارنة بـ 14 بالمائة إلى الولايات المتحدة. وتملك شركة أرامكو السعودية مصفاة في مقاطعة تشينغداو في الصين وأخرى في مقاطعة فوجيان، في حين بدأت الشركات الصينية في الاستثمار في الصناعة والبنية التحتية السعودية. وفي الوقت نفسه، لا تزال المملكة شريك الصين التجاري الأكبر في منطقة الشرق الأوسط.

وعلى الصعيد العسكري، في الثمانينات من القرن الماضي، قدمت الصين إلى السعوديين صواريخ ذات قدرة نووية من طراز “CSS-2″، وواشنطن قلقة الآن من أن الرياض ربما تسعى لخلق رادع ضد إيران باكتساب المزيد من الأسلحة التي صممتها الصين، فضلاً عن الرؤوس النووية ذات الاستخدام المزدوج من باكستان. ورغم أن الولايات المتحدة ما تزال هي الضامن الرئيسي لأمن السعودية إلا أن المملكة تسعى لتحقيق التوازن بمراهناتها في وجه إيران التي ربما تصبح نووية من خلال تعاطيها مع بكين، حليفة طهران الرئيسية.

الإمارات: بدأ كل من الصين والإمارات منذ ثلاثة عقود نهضة اقتصادية سريعة وواسعة، وأنشأ البلدان شراكة اقتصادية قوية منذ العام 1980 وتُقدّر التجارة الثنائية بين البلدين اليوم بـ 35 مليار دولار، وتتنامى الشراكة بسرعة كبيرة لدرجة أنه يُتوقع أن يصل حجم التجارة بحلول العام 2015 إلى مائة مليار دولار، والصين اليوم هي الشريك الرئيس للإمارات بعد الهند.ويُعدّ سوق التنين الصيني في دبي أكبر مجمع تجاري خارج الصين، وتشمل العلاقات الثنائية بين البلدين التكنولوجيا والطاقة والغاز والسلع الاستهلاكية والخدمات وصناعة السيارات والمنسوجات، وقد خفضت الإمارات علاقاتها مع تايوان للحفاظ على علاقاتها مع الصين في أفضل حالة. واستفادت الإمارات من شراكتها مع الصين في بناء قوة قادرة على الدفاع عن مصالحها وحدودها، كما أنشأت الشركات الصينية مشروعات ضخمة في الإمارات، مثل: نخيل دبي العالمية، والميناء، وفنادق ومنتجعات سياحية، وتهتم إدارة الميناء الدولي الإماراتية بالعمل والاستثمار في الموانئ الصينية.

سورية في طريق الحرير :

الحديث عن طريق الحرير لا يجوز أن يكون في اتجاه واحد ووحيد فقط قادم من الصين بل هناك اتجاهات متعددة، يبدأ في بلاد الشام والجزيرة العربية، عقدة المواصلات والبؤرة القديمة للانطلاق بالثقافات إلى القارات الثلاث.

تعتبر سورية محطة هامة ورئيسية تلتقي عبر أراضيها قوافل الحرير القادمة من الصين في أقصى شرق العالم برا عبر آسيا فتنضم إليها على الطريق شعوب متعددة، تسلك طرق مختلفة حتى تتلاقى في تدمر مع القوافل البحرية المنطلقة من اليابان عبر المحيط، صعوداً في الخليج، فالفرات، وانعطافاً قبالة تدمر، ثم تتوزع تلك القوافل جميعها باتجاه الشمال الغربي نحو حلب، لتلتقي فيها مع القوافل الأوربية القادمة إليها عبر البر وهو ما يُسمى طريق الحرير البري، وباتجاه الغرب لتلتقي في اللاذقية وطرطوس مع القوافل الأوربية القادمة عبر طريق البحر المتوسط ويُطلق عليه طريق الحرير البحري، وباتجاه الجنوب الغربي لتلتقي في دمشق مع القوافل القادمة من فلسطين ومصر والدول العربية في شمال أفريقيا، وباتجاه الجنوب لتلتقي في بصرى مع قوافل الشتاء والصيف القادمة من الجزيرة العربية، قاطعة على المسارين أكثر من /12/ ألف كم، كل قافلة تحمل بضائع بلدها ومنتجاته وتراثه وعاداته وثقافته وأفكاره، وتتبادلها مع مثيلاتها من القوافل حيث كانت عبارة عن سفارات متنقلة، تحطّ في خانات سورية التي تُمثّل الفنادق في ذلك العصر، لذا فإن أهمية سورية على تلك الطريق لأنها كانت نقطة التقاء الحضارات والثقافات، ولم تكن نقطة عبور.

أغلب الظن أن الحرير لم يكن معروفا عند الرومان في مطلع العصور الميلادية وربما عرفوه بعد احتلالهم سورية، فقد جلب بعض جنودهم بعضا منه إلى روما ومع مرور الأيام بدأ ينتشر شيئا فشيئا، كانت تدمر من أهم المراكز وأغناها على طريق الحرير، فتدمر كما وصفها البعض منجم ذهب حقيقي في صناعة المنسوجات الحريرية، فقد كانت المنسوجات التي عثر عليها بتدمر لا مثيل لها من حيث الجودة والأناقة وأصبحت تدمر مدرسة انطلقت فيها طوال القرن الثاني الميلادي صناعة النسيج وفنونه واستطاعت تلك المنسوجات أن تؤثر في أذواق الناس في المناطق المجاورة ويمكن اعتبار المنسوجات الحريرية الصينية في تدمر أول إشارة للاتصال مع الصين في عهد أسرة هان.

يميل الاعتقاد إلى أن السوريين كانوا يستوردون الحرير الخام من الصين، ثم يحضرونه بأسلوبهم الخاص ويعيدون تصديره، وكانت تدمر بحكم موقعها الجغرافي بين إمبراطورتين عالميتين من ناحبة وموقعها المنعزل بوسط الصحراء بعيدة المنال عن الفرق الرومانية والفارسية فلم يتمكن أحد من السيطرة عليها لفترات طويلة ، وربما توازن القوى هو الذي جعل منها دولة حاجز حيث مكنها موقعها الفريد من أن تلعب دورها كمحطة رئيسية لنزول القوافل وجعلها عقدة مواصلات هامة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.

لإحياء طريق الحرير كانت سورية تسير على خطين أحدهما سياسي والآخر ثقافي-اجتماعي، تحاول من خلاله إعادة وجودها الحيوي على ذلك الطريق الهام.

قامت سورية بإحياء تظاهرات سنوية يلتقي فيها الإعلاميون من معظم دول العالم في سورية، فيلتقون وينتقلون بين المدن السورية خلال أسبوع واحد بين المناطق الجبلية والصحراوية والساحلية، يصورون لحظات مميزة، ويعودون لبلادهم أخذين معهم تفاصيل مشاعر صادقة اختبروها على خطى قوافل طريق الحرير.

كانت تشمل فعاليات المهرجان العديد من المدن التي كانت نشطة على زمن طريق الحرير فزنوبيا كانت في معشوقتها تدمر، وحلب كانت بقلعتها وخاناتها حاضرة لاستقبال القوافل، وبصرى من مدرجها التاريخي العظيم ودمشق من مسرح قلعتها الشامخة إلى شاطئ طرطوس الذهبي.

قصة سورية وحضارتها وشعبها تروى من خلال لوحات راقصة، بمشاهد تمثيلية فنية متقنة فتنقل عبر حوار ثقافي إيمائي مكانة سورية على ذلك الطريق التاريخي.

في الشق السياسي، عندما تحدث مرة وزير الخارجية السوري “وليد المعلم” نحو الاتجاه شرقاً لم يكن عن عبث، فالسياسة السورية كانت تعمل على هذا من خلال إستراتيجية البحار الأربعة، ففي كلمة للسيد الرئيس ” بشار الأسد” في 2009 ( في منتدى رجال الأعمال السوري الأذربيجاني أكد:”ضرورة الربط الفيزيائي بين البنية التحتية لدول المنطقة مما سيشكل شبكة متكاملة من أنابيب الغاز والسكك الحديدية والموانئ التي تربط بين البحار الأربعة، المتوسط والأسود وقزوين والخليج حتى البحر الأحمر”

ختاماً:

ابن بطوطة الرحالة العربي المشهور الذي مر يوما على طريق الحرير إلى الصين في القرن الرابع عشر يقول:” إذا كنت تسعى للنجاح فاجعل وجهتك شرقا” وهذا ما من شانه أن يجعل عودة الحياة لطريق الحرير التاريخي تساعد منطقة الشرق الأوسط على تأمين الرخاء والازدهار لاقتصادها بشكل دائم.

لربما يقظة التنين الصيني الذي يحاول أن يمد أجنحته على جزء كبير من العالم كانت ستعود بالنفع على سورية من خلال التعاون في استراتيجة البحار الأربعة التي كانت الحكومة السورية تسعى جاهدة لتحقيقها لولا اندلاع ما يسمى بـ “الثورة السورية” التي أحرقت أوراق كثيرة وأجلت أحلاما عديدة في رفع مكانة سورية عاليا.

المصدر: المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي – سورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 36 = 38