الرئيس الأسد لقناة فينكس الصينية: نقدر دور بكين

825

الصين تدافع عن ميثاق الأمم المتحدة أولاً.. وأعادت بالتعاون مع روسيا التوازن السياسي للعالم
أكد السيد الرئيس بشار الأسد أن الصين كانت تدافع أولاً وقبل كل شيء عن ميثاق الأمم المتحدة، وأعادت، بالتعاون مع روسيا، التوازن إلى العالم، من خلال إقامة نوع من التوازن السياسي داخل الأمم المتحدة، وأضاف، في مقابلة مع قناة “فينيكس” الصينية، إن الصين كانت تحمي المصالح الصينية والمصالح السورية ومصالح العالم، وخصوصاً البلدان الصغيرة أو الضعيفة، وشدد على أن أي قوات أجنبية تدخل سورية دون دعوتنا أو إذننا أو التشاور معنا تعتبر قوات غازية سواء كانت أمريكية أو تركية أو أي قوات أخرى، وفيما يلي نص المقابلة:
سيادة الرئيس، شكراً لكم لاستقبالنا هنا في دمشق، العاصمة السورية.
أعتقد أن هذه أول مقابلة تجرونها مع وسائل الإعلام الصينية بعد وقف إطلاق النار على مستوى البلاد وبعد عدة جولات جديدة من المفاوضات، سواء في أستانا أو في جنيف، وبالطبع بعد استلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهام منصبه، وقد رأينا هذه الأيام أن قواتكم تحقّق تقدّماً ثابتاً ومستمراً في ميادين المعارك، لكن لا يبدو أن محادثات السلام مثمرة بالقدر نفسه.
فيما يتعلق بمفاوضات جنيف حاول كبير مفاوضيكم السيد الجعفري ما استطاع معرفة من ينبغي أن يكون جالساً على الطرف الآخر من طاولة المفاوضات، بالنسبة لكم من ينبغي أن يكون جالساً هناك؟.
اجتماع جنيف لم يكن متجانساً
الرئيس الأسد: هذا سؤال محوري، إذا أردت لهذه المفاوضات أن تكون مثمرة علينا أن نسأل عمن سيكون جالساً هناك، أعني أنه قد يكون هناك العديد من الأشخاص الجيدين ذوي النوايا الطيبة، لكن السؤال يبقى، من يمثّل هؤلاء؟. هذا هو السؤال. في هذه الحالة هناك مجموعات مختلفة، هناك أشخاص وطنيون لكنهم لا يمثلون أحداً بل يمثّلون أنفسهم وحسب، هناك آخرون يمثّلون الإرهابيين، وهناك إرهابيون يجلسون إلى الطاولة، وهناك آخرون يمثّلون أجندة دول أجنبية، مثل السعودية وتركيا وفرنسا وبريطانيا وربما الولايات المتحدة، وبالتالي فإن الاجتماع لم يكن متجانساً.
إذا أردت لذلك الاجتماع أن يكون مثمراً، بالعودة إلى النقطة الأولى التي ذكرتها، ينبغي أن تكون المفاوضات سورية-سورية، رغم ذلك ذهبنا إلى ذلك الاجتماع لأننا نعتقد أن أي نوع من الحوار يمكن أن يشكل خطوة جيدة نحو إيجاد الحل، لأنه حتى أولئك الأشخاص الإرهابيون أو الذين ينتمون إلى التنظيمات الإرهابية أو دول أخرى يمكن أن يغيروا آراءهم ويعودوا إلى طبيعتهم من خلال رجوعهم إلى كونهم سوريين حقيقيين والابتعاد عن الإرهاب وعن أن يكونوا عملاء لمجموعات أخرى، لهذا أقول: إننا لم نتوقّع أن ينتج جنيف شيئاً، لكنه خطوة على طريق ستكون طويلة، وقد تكون هناك جولات أخرى سواء في جنيف أو في أستانا.
لكنها في كل الأحوال مفاوضات سورية-سورية، أليس كذلك؟، وفي حقيقة الأمر إنها تشكل حواراً بالوكالة، أعني أن الأطراف الرئيسية لا تجتمع وتجري حواراً مباشراً.
الرئيس الأسد: تماماً.
الصحفي: هل أنت راض شخصياً عن الصيغة أو الآلية الحالية للمفاوضات؟.
الرئيس الأسد: لم نكن نحن من صاغ هذه الآلية بل تمّت صياغتها من قبل دي ميستورا والأمم المتحدة وبنفوذ من الدول التي أرادت استخدام تلك المفاوضات للضغط على سورية وليس للتوصل إلى حل، كما قلت: إن كل شخص يمثّل أجندة مختلفة، وفود المعارضة لم تكن وفداً واحداً، كانت هناك وفود مختلفة للمعارضة، وبالتالي إذا كنت كحكومة سأتفاوض مع أحد ما، من سيكون ذاك المفاوض؟، أي واحد منهم؟، من يمثّل؟، هذا هو سؤالنا، وبالتالي فأنت محق، هذه المرة لم يكن هناك مفاوضات في جنيف، وهذا أحد أسباب عدم توصلها إلى شيء، الأمر الوحيد الذي ناقشناه في جنيف كان جدول الأعمال، العناوين، ما سنناقشه لاحقاً، هذا كل ما هنالك.
لكن كما نرى، فإن الكثير من الوقت والمال والطاقة وضع في هذا الجهد.
الرئيس الأسد: تماماً.
الصحفي: ولا تزال المواجهات مستمرة، وما زال الناس يموتون، وما زالت أعداد اللاجئين في ازدياد.
الرئيس الأسد: تماماً.
الصحفي: ما هي الطريقة الممكنة لإجراء مفاوضات؟.
الحل الوحيد تمثّل في المصالحات
الرئيس الأسد: أنت محق مرّة أخرى، كلما كان هناك تأخير ازدادت الأضرار والدمار والقتل وإراقة الدماء في سورية، لهذا نحن حريصون جداً على التوصل إلى حل، لكن كيف وبأي طريقة؟ ينبغي أن يكون هناك مساران متوازيان، يتمثّل الأول في محاربة الإرهابيين، وهذا واجبنا كحكومة، أن ندافع عن السوريين ونستخدم كل وسيلة ممكنة من أجل دحر الإرهابيين الذين يقتلون ويدمّرون في سورية.
والمسار الثاني يتمثّل في إجراء الحوار، ولهذا الحوار العديد من الأوجه المختلفة، هناك الجانب السياسي الذي يرتبط بمستقبل سورية وطبيعة ونوع النظام السياسي الذي نحتاجه، بصرف النظر عن شكل هذا النظام، فذلك يعتمد على ما يقرّره السوريون عبر الاستفتاء حول ما يريدونه، الجانب الثاني يتمثّل في محاولة دفع أكبر عدد ممكن من الأشخاص الذين كانوا مرتبطين بالإرهابيين أو الذين ارتكبوا أفعالاً إرهابية للعودة إلى حياتهم الطبيعية والتخلي عن أسلحتهم مقابل العفو الذي قدّمته الحكومة، ونحن نتحرّك في هذا الاتجاه منذ ثلاث سنوات وقد نجح بشكل جيد جداً، في الواقع إذا أردت أن تتحدّث عن الحل السياسي الحقيقي منذ بداية الأزمة ومنذ بداية الحرب على سورية، حتى هذه اللحظة، فإن الحل الوحيد تمثّل في تلك المصالحات بين الحكومة ومختلف المسلحين في سورية الذين انضم العديد منهم إلى الحكومة وهم يقاتلون معها الآن، والبعض الآخر سلم أسلحته وعاد إلى حياته الطبيعية.
لكن بالتحدّث عن الحرب السورية لا يمكنك استبعاد العوامل الخارجية، الهيئة العليا للمفاوضات المدعومة من السعودية تقول: إنها تعتمد على إدارة ترامب في لعب دور إيجابي بدلاً من السياسات الخاطئة في ظل سلفه باراك أوباما، أنتم من جهتكم ما الذي تتوقّعونه من سياسة ترامب الشرق أوسطية، وخصوصاً سياسته حيال سورية؟.
لم نر شيئاً ملموساً من ترامب
الرئيس الأسد: فيما يتعلق بالجزء الأول مما ذكرته حول آمالهم، عندما تعلّق آمالك على بلد أجنبي، بصرف النظر عن أي بلد هو، فإن هذا يعني أنك لست وطنياً، وهذا مثبت لأنهم ينبغي أن يعتمدوا على دعم الشعب السوري وليس على أي حكومة أو إدارة أخرى، فيما يتعلّق بإدارة ترامب خلال حملته وحتى بعد الحملة فإن الخطاب الرئيسي للإدارة وللرئيس نفسه كان حول أولوية إلحاق الهزيمة بـ “داعش”، وقد قلت منذ البداية: إن هذه مقاربة واعدة حيال ما يحدث في سورية والعراق باعتبارنا نعيش في المنطقة ذاتها ونواجه العدو ذاته، لم نر شيئاً ملموساً بعد فيما يتعلق بهذا الخطاب، لأننا نرى الآن أنواعاً مختلفة من الهجمات، هجمات وغارات عسكرية ضد “داعش”، لكنها تقتصر على مناطق صغيرة، لا يمكن محاربة الإرهاب بشكل مجزّأ بل ينبغي أن يكون ذلك شاملاً، ولا يمكن أن يكون جزئياً أو مؤقتاً، لا يمكن أن يقتصر الأمر على الغارات الجوية بل يجب أن يكون بالتعاون مع القوات على الأرض، لهذا السبب نجح الروس مذ بدؤوا دعمهم للجيش السوري في جعل “داعش” يتقلّص ولا يتمدّد، كما كان يفعل من قبل، وبالتالي فإننا نأمل في أن تقوم هذه الإدارة الأمريكية بتنفيذ ما سمعناه مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحديث عن الإرهاب ككل لا يقتصر على “داعش”، فـ “داعش” هو أحد منتجات الإرهاب، و”النصرة” منتج آخر، وهناك العديد من الجماعات في سورية، ليست “داعش” لكنها من “القاعدة”، ولديها الخلفية الأيديولوجية الوهابية المتطرّفة نفسها.
وبالتالي سيادة الرئيس، إنكم والسيد دونالد ترامب تتشاطران الأولوية نفسها المتمثّلة في محاربة الإرهاب، كما أن كليكما يكره الأخبار المزيّفة، هل ترون أي مجال للتعاون؟.
نتشاطر وترامب الأهداف نظرياً ولكن عملياً ليس بعد
الرئيس الأسد: نظرياً، نعم، لكن عملياً، ليس بعد لأنه ليس هناك أي صلة بين سورية والولايات المتحدة على المستوى الرسمي، حتى غاراتهم ضد “داعش”، التي ذكرتها قبل قليل والتي كانت بضع غارات فحسب، جرت دون تعاون أو تشاور مع الجيش السوري أو الحكومة السورية، وهذا غير قانوني، كما نقول دائماً، إذا نحن نتشاطر هذه الأهداف نظرياً، لكن عملياً  ليس بعد.
هل لديكم أي اتصالات شخصية مع رئيس الولايات المتحدة؟.
الرئيس الأسد: لا، على الإطلاق.
الصحفي: مباشرة أو غير مباشرة؟.
الرئيس الأسد: فيما يتعلّق بالاتصالات غير المباشرة، هناك العديد من القنوات لكن لا يمكنك المراهنة على القنوات الخاصة، ينبغي أن يكون ذلك رسمياً، عندها يمكنك التحدّث عن علاقة حقيقية مع حكومة أخرى.
ونحن نتحدّث الآن، يلتقي جنرالات على مستوى عال من تركيا وروسيا والولايات المتحدة في مكان ما في تركيا لمناقشة التوترات في شمال سورية، حيث تتحالف قوات تنتابها شكوك متبادلة مع هذه الدول، وبالتالي، هل لديكم خطة لشن هجوم نهائي على “داعش” عندما يحتاج اللاعبون الرئيسيون فعلاً إلى تنسيق فعال لإخلاء سورية من المجموعات الإرهابية؟.
تركيا ممر إمداد وحيد لـ “داعش”
الرئيس الأسد: نعم، إذا أردت أن تربط ذلك الاجتماع بـ “داعش” على وجه الخصوص فإنه لن يكون موضوعياً لأن هناك طرفاً على الأقل هو تركيا يدعم “داعش “حتى الآن، فأردوغان الرئيس التركي عضو في “الإخوان المسلمين”، إنه مرتبط أيديولوجيا بـ “داعش” و”النصرة” ومتعاطف معهما، والجميع يعرف هذا في منطقتنا، كما أنه ساعدهما، إما عبر تقديم الأسلحة أو لوجستياً أو من خلال تصدير النفط، بالنسبة للطرف الآخر وهو الولايات المتحدة، على الأقل خلال إدارة أوباما، فإنه تعامل مع “داعش” من خلال التغاضي عن تهريبه للنفط السوري إلى تركيا، وبتلك الطريقة يستطيع “داعش” الحصول على المال من أجل تجنيد الإرهابيين من مختلف أنحاء العالم، ولم يفعلوا شيئاً سوى القيام بعمليات تجميلية ضد “داعش”، الطرف الجدي الوحيد في ذلك الصدد هو روسيا التي تقوم فعلياً بمهاجمة “داعش” بالتعاون معنا.
وبالتالي فإن السؤال هو، كيف يمكنهم التعاون؟ وأعتقد أن الروس يأملون في أن ينضم الطرفان إليهم وإلى السوريين في الحرب على الإرهاب، الآن، لدينا آمال أكبر فيما يتعلق بالطرف الأمريكي بالنظر إلى وجود إدارة جديدة، بينما في تركيا لم يتغيّر شيء في ذلك الصدد، في الشمال هناك ممر إمداد وحيد لـ “داعش” وهو عبر تركيا، ولا يزالون نشطين ويقاومون مختلف أنواع الهجمات بفضل الدعم التركي.
الآن، باتت القوات الأمريكية موجودة في منبج، هل جاء هذا نتيجة ضوء أخضر من جانبكم؟ هل فتحتم الباب أمام هذه القوات الأمريكية؟.
الرئيس الأسد: لا، لم نفعل، إن أي قوات أجنبية تدخل سورية دون دعوتنا أو إذننا أو التشاور معنا تعتبر قوات غازية، سواء كانت أمريكية أو تركية أو أي قوات أخرى، ولا نعتقد أن هذا سيكون مفيداً، ما الذي سيفعلونه؟ هل سيحاربون “داعش”؟ لقد خسر الأمريكيون تقريباً في كل حرب، خسروا في العراق وأجبروا على الانسحاب في النهاية، حتى في الصومال خسروا، ناهيك عن فيتنام في الماضي وأفغانستان البلد المجاور لكم، لم ينجحوا في أي مكان أرسلوا إليه قواتهم، إنهم يخلقون الفوضى وحسب، إنهم جيدون جداً في خلق المشاكل وإحداث الدمار، لكنهم سيئون جداً في إيجاد الحلول.
بالحديث عن روسيا والصين، فإنهما استخدمتا الأسبوع الماضي حق النقض “الفيتو” على عقوبات جديدة للأمم المتحدة حول سورية، ما الذي تعنيه هذه الفيتوهات الصينية بالتحديد لبلدكم؟.
الصين تدافع أولاً وقبل كل شيء عن ميثاق الأمم المتحدة
الرئيس الأسد: لنكن واضحين جداً حيال موقفهما الذي لا يتمثّل في دعم الحكومة السورية أو الرئيس السوري، أقول هذا لأنهم يحاولون في الغرب تصوير المسألة على أنها مشكلة شخصية، وأن روسيا والصين وإيران وبلداناً أخرى تدعم ذلك الشخص كرئيس، هذا غير صحيح، الصين عضو في مجلس الأمن وهي ملتزمة بميثاق الأمم المتحدة، وباستخدامها ذلك الفيتو فإن الصين كانت تدافع أولاً وقبل كل شيء عن الميثاق، لأن الأمم المتحدة أنشئت من أجل استعادة الاستقرار في سائر أنحاء العالم، في الواقع فإن الدول الغربية، وخصوصاً تلك التي تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن، تحاول استخدام الأمم المتحدة ومجلس الأمن كأداة لتغيير الأنظمة أو الحكومات ولتنفيذ أجندتها وليس لاستعادة الاستقرار، بل إنها تستخدمها في الواقع لإحداث مزيد من عدم الاستقرار حول العالم، الجانب الثاني هو أن الصين أعادت التوازن إلى العالم من خلال إقامة نوع من التوازن السياسي داخل الأمم المتحدة بالتعاون مع روسيا، وهو أمر في غاية الأهمية للعالم بأسره، بالطبع فإن سورية كانت العنوان الرئيسي وهذا جيد بالنسبة لسورية، لكن مرة أخرى فإن ذلك جيد لباقي أنحاء العالم، ثالثاً، الدول التي أرادت استخدام ميثاق الأمم المتحدة لمصالحها الذاتية هي تلك الدول نفسها التي تدخلت أو حاولت التدخل في بلدكم في أواخر التسعينيات، واستخدمت عناوين مختلفة مثل حقوق الإنسان وما إلى ذلك، وأنتم تعرفون ذلك، ولو أتيحت لهم الفرصة لكانوا غيّروا كل حكومة في العالم سواء كانت حكومة بلد كبير أو صغير، فقط عندما تحاول تلك الحكومة أن تكون مستقلة قليلاً، وبالتالي فإن الصين كانت تحمي المصالح الصينية والمصالح السورية ومصالح العالم وخصوصا البلدان الصغيرة أو الضعيفة.
إن لم أكن مخطئاً فإنك قلت: إن الصين ستلعب دوراً في إعادة بناء سورية، ما هي القطاعات التي تعتقد أن الصين يمكن أن تساهم من خلالها بإعادة السوريين إلى حياتهم الطبيعية بعد سنوات عديدة من مواجهة الصعاب؟.
بوسع الصين المشاركة في إعادة إعمار كل القطاعات
الرئيس الأسد: في الواقع إذا تحدّثت عمّا كان الإرهابيون يفعلونه على مدى السنوات الست الماضية فإنهم كانوا يدمّرون كل شيء يتعلق بالبنية التحتية، رغم ذلك فإن الحكومة السورية لا تزال فعّالة على الأقل عبر تقديم الحد الأدنى من الاحتياجات للشعب السوري، لكنهم كانوا يدمّرون كل شيء في كل قطاع دون استثناء، إضافة إلى ذلك فإن الحصار الغربي على سورية منعها حتى من الحصول على الاحتياجات الأساسية لمعيشة أي مواطن في سورية، ولذلك عندما تسأل في أي قطاع؟ أقول في كل القطاعات، أعني أن بوسع الصين أن تكون في كل القطاعات دون استثناء، لأن الأضرار لحقت بها كلها، لكن إذا تحدّثنا عن المرحلة الراهنة، قبل أن تبدأ عملية إعادة البناء الشاملة، فإن الصين تشارك الآن مباشرة في بناء العديد من المشاريع، وخصوصاً المشاريع الصناعية في سورية، هناك العديد من الخبراء الصينيين الذين يعملون الآن في سورية في مختلف المجالات من أجل وضع الأسس لهذه المشاريع، لكن بالطبع عندما يكون هناك درجة أكبر من الاستقرار فإن الأمر الأكثر أهمية سيكون بناء الضواحي المدمّرة، هذا هو الجزء الأكثر أهمية في عملية إعادة الإعمار، الجزء الثاني هو البنية التحتية، نظام الصرف الصحي والكهرباء وحقول النفط وكل شيء دون استثناء، الجزء الثالث سيكون المشاريع الصناعية التي يمكن أن تكون في القطاع الخاص أو القطاع العام في سورية.
ليس سراً أن هناك بعض المتطرفين الصينيين هنا يقاتلون إلى جانب “داعش”، أعتقد أن هذا يشكل تهديداً لسورية والصين على حد سواء، ما هي التدابير الملموسة أو الفعّالة التي تتخذونها لضبط الحدود وحرمان هؤلاء المتطرّفين من حرية الحركة في المنطقة؟.
كل إرهابي ينبغي هزيمته والقضاء عليه
الرئيس الأسد: عندما تتحدّث عن متطرفين أو إرهابيين لا يهم من أي جنسية هم، لأنهم لا يعترفون بالحدود ولا ينتمون إلى بلد، الفرق الوحيد بين جنسية وأخرى هو أن أولئك الذين أتوا من بلدكم، على سبيل المثال، يعرفون بلدكم أكثر من الآخرين، وبالتالي يمكنهم إلحاق ضرر أكبر في بلدكم أكثر من الآخرين، وينطبق الأمر ذاته على الإرهابيين السوريين والروس وغيرهم، أما من حيث التدابير فإن كل إرهابي ينبغي هزيمته والقضاء عليه ما لم يغيّر موقفه ويعود إلى حياته الطبيعية، ثانياً، ولأنك تتحدّث عن جنسيات مختلفة بلغت أكثر من ثمانين جنسية ينبغي أن يكون هناك تعاون مع الحكومات الأخرى، وخصوصاً في مجال الاستخبارات، وهذا ما يحدث على سبيل المثال مع المخابرات الصينية فيما يتعلق بالإرهابيين الإيغور الذين يأتون من الصين عبر تركيا، للأسف، فإن الوسيلة الوحيدة التي لا نمتلكها الآن والتي لا نسيطر عليها هي حدودنا مع تركيا، لأن الإيغور بشكل خاص أتوا من تركيا، الآخرون يأتون ربما من العراق والأردن ولبنان ومن البحر ربما، والأغلبية تأتي من تركيا، لكن الإرهابيين الإيغور يأتون بشكل رئيسي من تركيا، لماذا؟ لا أعرف السبب، لكنهم يتمتعون بدعم الحكومة التركية، وقد تمّ تجميعهم في مجموعة واحدة وإرسالهم إلى الجزء الشمالي من سورية، إذا المهمة الآن هي مهاجمتهم أينما وجدوا، بالطبع فإنك لا تستطيع تمييزهم أحياناً، حيث أنهم يختلطون مع بعضهم بعضاً، لكنهم يعملون في بعض الأحيان كمجموعات منفصلة عن الجنسيات الأخرى، وهذا نوع حاسم جداً من التعاون بين الاستخبارات السورية والصينية، وقد اتخذنا العديد من الخطوات الجيّدة في هذا الصدد.
نهنئ “النصرة” على حصولها على أول أوسكار!
سيادة الرئيس، ربما تعلمون أن فيلم “الخوذ البيضاء” حصل على جائزة الأوسكار عن أفضل فيلم وثائقي قصير، لكن يقول الناس: إن حقيقة “الخوذ البيضاء” ليست كما قدّمتها شركة “نت فليكس” المنتجة للوثائقي، ما رأيكم في ذلك؟.
الرئيس الأسد: أولاً، علينا أن نهنئ “النصرة” على حصولها على أول أوسكار!، هذا حدث غير مسبوق في الغرب، وهو أن يتمّ منح “القاعدة” جائزة أوسكار، أمر لا يصدّق، وهذا دليل آخر على أن جوائز الأوسكار، ونوبل، وكل هذه الجوائز عبارة عن شهادات مسيّسة، هكذا أستطيع أن أصفها. قصة “الخوذ البيضاء” بسيطة جداً، إنها عملية تجميل لـ “جبهة النصرة” في سورية، لمجرد تغيير وجهها القبيح بوجه أكثر إنسانية، هذا كل ما هنالك، وهناك العديد من مقاطع الفيديو والصور على الانترنت نشرتها “الخوذ البيضاء” تدينها كمجموعة إرهابية، حيث تستطيع أن ترى الشخص نفسه يرتدي الخوذة البيضاء ويحتفل فوق جثث الجنود السوريين، لأولئك الإرهابيين منحت جائزة الأوسكار، وبالتالي فإن هذه الرواية كان هدفها محاولة منع الجيش السوري خلال عملية تحرير حلب من الضغط والهجوم لتحرير الأحياء داخل المدينة التي كان يحتلها أولئك الإرهابيون، وللقول إن الجيش السوري والروس يهاجمون المدنيين والأبرياء والعاملين في الشأن الإنساني.
فيما يتعلق بتدمر، لقد زرت تدمر ليوم واحد خلال وجودي هنا، المدينة الآن تحت سيطرتكم، وبالنظر إلى موقعها الاستراتيجي، لأن حمص في وسط سورية تماماً، وبعد سيطرتكم عليها، ما هو هدفكم التالي؟ هل ستوسّعون العملية العسكرية إلى الرقة ودير الزور؟.
الرئيس الأسد: لقد بتنا قريبين جداً من الرقة الآن.. بالأمس وصلت قواتنا إلى نهر الفرات القريب جداً من مدينة الرقة، والرقة هي معقل “داعش” اليوم، وبالتالي فإنها ستكون أولوية بالنسبة لنا، لكن هذا لا يعني أن المدن الأخرى لا تحظى بالأولوية، والعمليات يمكن أن تجري بالتوازي، فتدمر تقع على طريق مدينة دير الزور في الجزء الشرقي من سورية والقريب من الحدود العراقية وتلك المناطق هي التي استخدمها “داعش” كممرات ومعابر للدعم اللوجستي بين العراق وسورية، وبالتالي سواء هاجمنا المعقل أو هذا المعبر الذي يستخدمه “داعش” فإن للهجوم النتيجة نفسها.
في رأيكم، كم من الأيام ستستغرق هذه الحرب حتى تنتهي؟.
تعقيد الحرب يتمثّل في التدخل الأجنبي
الرئيس الأسد: إذا افترضنا عدم وجود تدخل خارجي فإن الأمر سيستغرق بضعة أشهر، الأمر ليس معقداً داخلياً، تعقيد هذه الحرب يتمثّل في التدخل الأجنبي، هذه هي المشكلة، الآن، وفي وجه هذا التدخل فإن الشيء الجيد الذي كسبناه خلال الحرب هو وحدة المجتمع، في البداية، لم تكن رؤية العديد من السوريين واضحة حيال ما يحدث، كثيرون صدّقوا الدعاية الغربية حول الأحداث التي كانت تجري حينها، وبأنها كانت ضد القمع، إذا كان ما جرى هو ضد القمع لماذا لم يثر الناس في السعودية على سبيل المثال؟. وبالتالي فإن ما كسبناه الآن هو هذا، وهو الأساس الأقوى لإنهاء هذه الحرب، في كل سنة مرّت كان لدينا الأمل بأن تكون آخر سنوات الحرب، ولكن في النهاية، هذه حرب ولا يمكنك أن تتوقّع بالضبط ما الذي سيحدث.
سيادة الرئيس، أنت رئيس الجمهورية العربية السورية، وفي الوقت نفسه أنت زوج محب وأب لثلاثة أبناء، كيف تستطيع تحقيق التوازن بين دورك كرئيس، وكأب، وكزوج؟.
الرئيس الأسد: إذا كنت لا تستطيع النجاح في واجبك الصغير المتمثّل في أسرتك فإنك لا تستطيع النجاح في واجبك الكبير أو الأكثر شمولاً على مستوى بلد، وبالتالي فإن وجود قدر كبير من العمل لديك لا يبرر التخلي عن واجباتك، هذا واجب، ينبغي أن تكون واضحاً جداً حيال ذلك، ينبغي أن تنجز تلك الواجبات بطريقة جيدة جداً، بالطبع يمكن لهذه الظروف أن تجبرك أحياناً على التقصير أو ألا تسمح لك بالقيام بكل ما ينبغي عليك فعله، أعني ألا تقوم بواجباتك بشكل كامل.
الصحفي: في اليوم الواحد، ما عدد الساعات التي تقضيها في العمل والساعات التي تقضيها مع أفراد أسرتك؟.
الرئيس الأسد: في الواقع فإن الأمر لا يتعلّق بعدد الساعات، لأنك حتى عندما تكون في المنزل يتوجّب عليك العمل.
الصحفي: حسناً.
الرئيس الأسد: لنقل إنه في الصباح والمساء قد تتاح لك الفرصة لقضاء بعض الوقت معهم، فيما عدا ذلك فالوقت كله مكرّس للعمل.
هل فكرّت على الإطلاق في مغادرة هذا البلد من أجل أسرتك؟.
الرئيس الأسد: إطلاقاً، وخصوصاً الآن بعد ست سنوات أعني أن المرحلة الأكثر صعوبة قد انقضت، وكانت في عامي “2012 و2013″، حتى في تلك المرحلة لم نفكر أبداً في هذا، فكيف أفكر به الآن؟ لا، لا، هذا ليس خياراً، عندما تشعر بأي نوع من التردد فإنك سوف تخسر، وخسارتك لن تكون فقط أمام أعدائك، بل ستخسر أنصارك أيضاً، هؤلاء المؤيدين، أعني الناس الذين تعمل معهم بمن في ذلك الجيش ومقاتلوه، سيشعرون إن لم تكن مصمماً على الدفاع عن بلدك، لم تراودنا هذه الفكرة أبداً، لا أنا ولا أي فرد من أسرتي.
كيف هو التقدّم الذي يحققه كريم في تعلم اللغة الصينية؟.
الرئيس الأسد: لقد تعلّم أساسيات اللغة الصينية قبل عامين على ما أعتقد، للأسف، فإن السيدة والسيد اللذين كانا يدرسانه غادرا البلاد لأنهما كانا موظفين في السفارة الصينية، عادا إلى الصين، لقد توقّف الآن، لكني متأكد أنه عندما يكبر سيتابع، لديه الأساسيات الآن، ويمكنه تحسين لغته الصينية.
هل تعتقد أن تعلم اللغة الصينية خيار جيد بالنسبة له؟.
الرئيس الأسد: بالطبع، لأن الصين قوة ناهضة.
الصحفي: إذا، لم تجبره على تعلم اللغة الصينية؟ كان خياره؟.
الرئيس الأسد: لا، لم أجبره، ولم نفكر في ذلك، في الواقع لم أفكر أن عليه أن يتعلّم اللغة الصينية، ولم أتوقّع منه أن يفعل ذلك، لأن اللغة الصينية لغة يصعب تعلمها بالنسبة للكثيرين في العالم، هو بادر وقال: أريد أن أتعلم اللغة الصينية، وحتى هذه اللحظة في الواقع لم أسأله لماذا؟. أردته أن يشعر بأن لديه الخيار، لكن عندما يكبر سأسأله كيف خطر له أن يتعلّم هذه اللغة الصعبة لكن المهمة.
الصحفي: لم تسأله؟.
الرئيس الأسد: لا، ليس بعد.
الصحفي: إذا تعتقد أنه خيار جيد؟.
الصين قوة صاعدة ومهمة
الرئيس الأسد: بالطبع، كما قلت، فإن الصين الآن هي قوة صاعدة ومهمة، أعني أن معظم بلدان العالم تربطها علاقات متنوّعة مع الصين سواء في مجال العلوم أو السياسة أو الاقتصاد أو الأعمال، فالمرء بحاجة الى الصين في كل مجال اليوم، كما أن علاقاتنا ستتطوّر في المستقبل، إنها جيدة، لكنها ستتطوّر لأنه عندما يثبت بلد كالصين أنه صديق حقيقي، صديق يمكن الاعتماد عليه، فمن الطبيعي جداً أن تكون لنا معه علاقات أفضل على المستوى الشعبي وليس فقط على المستوى الرسمي.
الصحفي: شكراً لكم سيادة الرئيس لإتاحة هذا الوقت.
الرئيس الأسد: شكراً لقدومكم إلى سورية، أهلاً وسهلاً بكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

86 + = 90