إرهاصـــات التوجّه شرقاً تنطلق من الشركاء.. مراهنـــة على الاســتفادة من أخطـــاء الشراكة مع أوروبا …بانتظار آليات تكتيكية واستراتيجية لترسيخ التكامل مع "الجدد"

نعتقد أن إرهاصات التوجّه شرقاً بدأت بالظهور من الشركاء الذين أرسلوا لنا إشارات علينا تلقّفها، ويراهن عليها بأن تحدث نقلة نوعية في عملية التصدير، ولعل ما نقل عن نائب رئيس الوزراء الروسي ديميتري راغوزين بأن روسيا ستستورد الخضروات والفواكه السورية منوهاً بجودتها، وإشارته خلال الإعلان عن التوقيع على اتفاقية “الممر الأخضر” لتصدير الفواكه والخضروات السورية إلى روسيا إلى البدء فعلياً بالاستيراد تحمل في طياتها العديد من الرسائل والدلالات التي تصبّ باتجاه ترسيخ هذا التوجّه، كما أن الأرقام التي تتحدّث عن ارتفاع حجم الشحنات المستوردة من سورية إلى روسيا بنسبة 274% مقارنة مع عام 2015، إذ بلغت قيمة المنتجات السورية المورّدة نحو 7 ملايين دولار خلال 2016 مقابل 2 مليون دولار خلال 2015، تنبئ بمؤشرات مستقبلية تستحق حشد الجهود لتنميتها قدر المستطاع، وهنا نشير إلى ضرورة ألا يكون التعامل الاقتصادي مع الدول مجرد تكتيك آني، فالأصح أن يكون استراتيجياً، كما يجب أن يكون التوجّه شرقاً بآليات جديدة مختلفة عن السابقة، وذلك عبر شركات ومؤسسات وجمعيات وطنية تعمل ضمن منظومة اقتصادية مدروسة، وخاصة في المجال الزراعي واستثمار الأراضي، والاستفادة من هذه الدول بموضوع التكنولوجيا والتجهيزات والمستلزمات الزراعية، شريطة أن تكون معايير هذه الشراكة وفق السيادة المطلقة للدولة، وألا تكون أسيرة لأي جهة كانت، وما فشل تجربتنا باستثمار أراضٍ زراعية في السودان –قبل الأزمة- إلا نتيجة غياب العمل المؤسساتي المنظم.
مساعٍ
يضاف إلى ما سبق أن مساعي وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية باتجاه تفعيل مجلسي الأعمال (السوري – الصيني، والسوري – الروسي)، كفيلة بتوطيد العلاقات التجارية مع الشركاء الفعليين، ولاسيما إذا ما علمنا أن العمل جارٍ على تنشيط عمل مجالس الأعمال المشتركة وزيادة حجم التبادل التجاري بين سورية والصين وروسيا الاتحادية، والعمل على فتح قنوات مصرفية مباشرة مع الجانب الصيني لتسهيل التبادل التجاري، وإمكانية فتح خط نقل جوي مباشر بين بكين ودمشق، ودعوة الشركات الصينية والروسية للمساهمة في عملية إعادة الإعمار، والعمل على تصدير المنتجات السورية ذات الميزة النسبية لكلا البلدين والترويج للمنتجات السورية عبر المواقع الإلكترونية ذات الفعالية الكبيرة، إلى جانب تعهّد الوزارة بالعمل على تذليل كل العقبات والقيود التي يواجهها مجلس الأعمال السوري الروسي أثناء تأديته لمهامه، بحيث يكون هناك تنسيق وتكامل بين الوزارة والمجلس بما يساهم في تحقيق أهدافهما في توسيع وتنشيط التعاون مع روسيا الاتحادية في إطار تحقيق المصلحة المشتركة لجميع الأطراف وبما يتناسب مع مستوى العلاقات الاستراتيجية السورية الروسية.
استدراك وترميم
ما يجب التركيز عليه في علاقتنا مع الشركاء التجاريين المحتملين هو اعتماد شركاء جدد أكثر وأشدّ حاجة إلى منتجاتنا من الشركاء الأوروبيين من جهة، والاستفادة من حالة التكامل بالتعامل معهم من جهة ثانية، بحيث يفتحون أسواقهم لمنتجاتنا، ونستقطب خبراتهم العلمية والتكنولوجيا لرفع مستوى إنتاجنا، وهنا على سلطتنا التنفيذية العمل على اتجاهين الأول تكتيكي ويتمثل باستدراك الواقع الحالي وترميمه، بحيث نتمكّن من تجاوز الأزمة بأقل الخسائر الممكنة إثر العقوبات التي فرضها شركاء الماضي، والاتجاه الثاني استراتيجي يعتمد على وضع خطط مستقبلية ترتكز على تطوير آليات التعامل الاقتصادي، وفي مقدمتها الزراعة لأن سورية بلد زراعي بالدرجة الأولى.
مقتضيات تستحق الحشد
إن مقتضيات المرحلة بالذات تستدعي حشد كل الإمكانات لإقامة علاقات تعاون استراتيجي مع الدول المرشحة كبديل عن أوروبا، وفق شروط تلزم جميع الشركاء باستيعاب منتجاتنا الزراعية، وعلى جهاتنا الحكومية المعنية أن تستفيد من أخطاء الماضي بحيث تعتمد مبدأ التعامل بالمثل، وألا تدّخر جهداً لترسيخ الصادرات السورية كمكوّن لا يمكن للشركاء الاستغناء عنه، وذلك من خلال الاهتمام البالغ بتلبية حاجات أسواقهم وفق المواصفات والمعايير المطلوبة منهم، لنصل إلى مرحلة التفرّد بتغذية هذه الأسواق دون غيرنا، مع الإشارة إلى أن سورية منافس قوي بكثير من المنتجات الزراعية الخاصة مثل حبة البركة والتوت الشامي وكذلك الكرز حيث إنه منتج منافس في كثير من دول العالم، مع التذكير بأن هناك عدداً لا بأس به من دول آسيا وإفريقيا مثل ماليزيا والهند وجنوب إفريقيا وغيرها، لابد أن تكون تحت مجهر هذا التوجّه، فهي دول مشهود لبعضها بالتنمية الاقتصادية، وبعضها الآخر يبحث عن موارد زراعية بغية تحقيق أمنه الغذائي، وبالتالي فإننا أمام فرصة علينا اغتنامها لتحقيق شراكة تكاملية بعيدة عن الغبن، فالصين رغم مساحتها الشاسعة -على سبيل المثال- تسعى إلى البحث عن أراضٍ جديدة للاستثمار الزراعي، لأنها تمتلك كتلة بشرية هائلة مستهلكة، وفي الوقت نفسه لديها الإمكانات الكبيرة لتصنيع الآلات الزراعية، إلى جانب مقدرتها على تحسين الأصناف الزراعية، وكانت لها تجربة سابقة باستثمار أراضٍ زراعية في أنغولا لزيادة إنتاجها الزراعي، وهنا يمكن الاستفادة من هذه التجربة ولكن بشروط سورية سيادية، وعبر اتفاقيات وبروتوكولات تعاون تحفظ حقوق الطرفين، بحيث نستقطب الصينيين للاستثمار الزراعي في سورية، ليس بهدف تحسين مستوى الإنتاج لدينا فحسب، بل لفتح سوق جديدة لتصريف ما تنتجه أراضينا من جهة، وإيجاد فرص عمل من جهة ثانية، وتوطين تكنولوجيا زراعية من جهة ثالثة، والأهم من ذلك هو فتح شراكة زراعية استراتيجية مع دولة كبرى تسعى لأن تكون أحد أقطاب العالم.
حسن النابلسي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

42 + = 49