سورية: تأسيس شركة تصدير وطنية وشراء ناقلات بحرية وتحفيز الشحن الجوي

 
>  10 وزراء حمّلوا مسؤولية البحث عن مخرج ولائحة تنفيذية للاستراتيجية الحكومية
>  طبخ القرارات على نار الاستنفار وتقليب مواجع القطاع الذي تراجعت أسهمه 14 مرة
>  الطيران التجاري رفع صادرات النسيج ألفاً بالمئة بعد تنظيم رحلتين يومياً
بأسف المسؤول المتحمّس راح رئيس الحكومة المهندس عماد خميس يستذكر تجربة الثمانينيات عندما أوصل مدّعو التصدير وشركاؤهم في رومانيا ومثيلاتها المنتج الوطني إلى عبارة مشؤومة مفادها “احذروا البضاعة السورية”..!.
وبالغيرة على اعتلال المشهد الاقتصادي تصرّ السلطة التنفيذية على فتح ملفّ التصدير منذ أكثر من شهر لتلتئم ثلاثة اجتماعات نوعية دورية أسبوعية قوامها 10 وزراء حمّلهم خميس مسؤولية البحث عن مخرج أقرب للإيجابية، ورسائل للرأي العام مفادها أن التصدير “ليس شغلة” الحكومة بل عليها مسؤولية تحضير ودعم البيئات والتشريعات والباقي على المنتجين وشركات الشحن والمصدّرين.
ولأن التصدير محطّ اهتمام الكبير والصغير ثمة أسئلة تطرح ولم نصل إلى حلول حول مدخلات الملف وثغرات الفساد وفوضى الحرب وتجار الأزمة، ليرفع رئيس الحكومة نبرة الصوت المتفق عليها بوجه القائمين والمشتغلين والناشطين بالقطاع “بدنا نصلّح”..!.
هي نقاط وتفاصيل ساخنة راحت قاعة اجتماعات مجلس الوزراء “الليلية” تشهدها على نار الاستثناء والاستنفار بتقليب مواجع القطاع الذي تراجعت أسهمه 14 مرة منذ عام 2010 -كما جاء على لسان وزير الاقتصاد- حيث للحصار والمقاطعة وإقفال الحدود والخروج من دائرة الإنتاج أيدٍ ضالعة بخذلان الميزان وانكسار العوائد المالية والاقتصادية، لتبدأ صولات وجولات أهل التكليف والاختصاص على نية العصف الذهني الذي فرّخ أفكاراً وبدائل ظرفية استعجلها وحرق مراحلها رئيس الحكومة بإشارات تقضي بتسريع تأسيس شركة أو شركات تصدير وطنية وشراء ناقلات وعبارات وتحفيز الشحن الجوي ومنح مزايا تفضيلية، قاطعاً الطريق على كل الذرائع والمبررات التي وصلت إلى حدّ التسريب والكشف عن إجراءات مصرفية ذكية قد يُعلن عنها في الوقت المناسب.
تعالوا تعلّموا منا..؟!
في فاتحة الكلام الذي لا مجال فيه للشرح والتوصيف بدت دعوة رئيس الحكومة “كلنا هاجسنا التصدير… تعالوا نتفق على الآلية… تعالوا نعلّم الآخرين ونقول لهم تعالوا تعلّموا منا..!”، أقرب إلى الطلب المشفوع بالرجاء ليعطي المجال سريعاً لمرافعة الدكتور عماد صابوني رئيس هيئة تخطيط الدولة الذي قدّم ورقة عمل مكلّفاً بها مع مجموعة عمل وضعت فهرساً لخطوط عريضة تتعلق بمسوّدة سياسة التصدير عبر محاور المبادئ وعواقب السوق الداخلي والخارجي والعلاقة بالسياسات المالية وتحديد الأسواق المستهدفة وآليات التسويق مربوطة بتبسيط الإجراءات والمؤشرات، معرّجاً على ضرورة إنشاء شركة وطنية للصادرات بأدوار محددة مدعومة بإجراءات تنظيمية استراتيجية، في وقت وضع فيه صابوني مصفوفة تنفيذية على المديين القصير والطويل خاضعة للنقاش مع الوزارات والجهات الشريكة بالمهمة ولاسيما وزارة التنمية الإدارية التي قدّمت مضمون ورقتها “على الحارك”.
هنا حاول وزير التنمية الإدارية الدكتور حسان النوري الاستهلال بالتساؤلات للوصول إلى استنتاجات تقول إن ثمّة محاولات للتصدير لكنها ليست سهلة بسبب عدم التفاهم بشأن الأسواق التي نتّجه إليها، ضارباً مثالاً السوقين الإيراني والروسي اللذين نتخبّط في كيفية التعامل معهما كحليفين سياسيين واقتصاديين، فالمعارض وحدها لا تكفي لأن المهم التركيز على الشريحة والتموضع الصحيح في ذهنية الزبون، وتعقيباً على فكرة الشركة اعتبر النوري أنه من الضروري أن يكون لها صبغة القطاع الخاص والهدف اختيار السوق الصح، فنحن بحاجة إلى شركة عملاقة تقوم بالإشراف وقيادة العمل التصديري وتكون ذراعاً للتفاوض مع الأسواق.
ولعل في الدراسة التي قدّمها الدكتور أديب ميالة مقاربات أفضت إلى وصف الاقتصاد السوري الذي فقد كل شركائه الأساسيين خلال 5 سنوات “بالكسيح”، في وقت كان التركيز فيه على أسواق محدّدة قريبة وأخرى ما زلنا نبحث عنها ولم نجدها في إشارة إلى سوق آسيا الشرقية الجديد الذي لم نفهمه كثيراً، وبالمرور على تقرير التنافسية الذي أعطى بيانات يائسة في المراتب لم يتوجّس وزير الاقتصاد من الاعتراف بمشكلات وزارته الكثيرة، وبأنه يرى ضرورة تأسيس شركات تصدير للقطاع العام حصة 25% فيها ومحرّرة من أحكامه وتستفيد من مرونة الخاص الذي يجب أن يديرها لينهي مداخلته بتبنّي مشروع معمل العصائر الذي يحل كل مشكلات الحمضيات كما أن لدعم الشحن فائدة تعود على الفلاح.
معلّقة “ميالة” وتململ “الحمو”
على إيقاع “التململ” من إصرار ميّالة على الاستفاضة في الشرح خرج وزير الصناعة أحمد الحمو ليسأل في صيغة أقرب إلى الرد على “معلّقة” وزير الاقتصاد: أين أسواق التصدير؟ ولماذا خسرنا الأسواق ومن المسؤول؟..وهذا ما حفّز رئيس الحكومة على تأكيد ما بدأ به بأننا في ظروف استثنائية وأسباب أزمة ومتفقون على رؤية التصدير وآلياته، لذلك نريد اجتماعات تطبخ وتطعم قرارات استثنائية.. وهذا ما استكمله وزير المالية الدكتور مأمون حمدان الذي ألحّ على الحلول السريعة والآجلة بمساعدة المصدّرين لأن الجهود مشتّتة وصرنا بأمس الحاجة إلى التخطيط، معتبراً أن التسويق متخلّف جداً في جامعاتنا والتسويق أسوأ مادة تدرّس وبالتالي فثقافة التصدير غائبة، أما ما شكّل مفاجأة عند حمدان فهو أنه “اكتشف” بحماة من يصنع ويصدّر الأحذية إلى الصين ومعمل سجاد حرير في حلب يعمل تحت الأنقاض ويصدّر إلى إيران، في زمن وجّه فيه الوزير “ملامة” للإعلام الذي طالما احتجّ على تصدير الجيد وبيع المواطن السيّئ وفق تعبيره.
ومع أن وزير الزراعة الدكتور أحمد القادري شدّد على فتح خريطة طريق أساسها شراء الناقلات والعبارات والتواصل مع الأسواق مباشرة ومنح مزايا تفضيلية، إلا أن وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل “القادمة من رحم وزارة الاقتصاد (صاحبة الملف) كما يلمّح ميالة” سألت عن موقع الملحق التجاري الشاغر في السفارات؟ مركّزة على الهدف الآني المتعلق بالحفاظ على الأسواق المخترقة “كالمصرية” لأن الفقدان والخروج يصعّب عملية النفاذ من جديد، وبالتالي من الأهمية بمكان تفعيل المرصد الوطني للتنافسية ورفع منسوب الدعم اللوجستي عبر قطاع النقل الذي شكّل عند علي حمود وزير النقل وجعاً كبيراً بعدما أقفلت الحدود مع الجيران ولم يبقَ سوى النافذة البحرية التي تعاني في زمن تغيّر الأسواق التي يجب التصدير إليها، ومع أن حمود أيّد فكرة شركة التصدير الوطنية فإن للمسبّبات أهمية تستدعي الاستعجال على المواسم التي يجب تصديرها مع الاعتماد على شركات من موقع التسويق كـ”روسيا” التي وعدنا شركاؤنا هناك بشراء أطنان من المواسم عبر اتفاقية يتم التحضير لها، ولكن الهم الأكبر وفق وزارة النقل هو تأمين طائرات شحن تنقل إلى الكثير من الدول ومنها الصين بعدما نجحت تجربة شحن النسيج جواً إلى إحدى دول الخليج عبر رحلتين يومياً، ليقاطع رئيس الحكومة بمعلومة تفيد بأنه تواصل مؤخراً وشخصياً مع أحد العارضين وقدّم فرصة بأكلاف وأجور مغرية وزهيدة، ولكي تنجز الأمور “على أصولها” طلب خميس من وزير النقل إعداد دراسة بهذا الشأن.
الموز ينزل بالباراشوت..!
وغير بعيد عما أفاد به وزير النقل حرص رئيس اتحاد المصدّرين محمد السواح على توضيح مشكلة الزبائن والمعابر ولاسيما أن الأسطول السوري جلّه بري وبالتالي العقدة في الدعم اللوجستي، أما التاجر فيعرف أين يُسوِّق لبضائع سورية مطلوبة جداً وزيت الزيتون شاهد على الطلب الزائد لكن المشكلة بالشحن، وبالتالي ثمة حل بالطيران التجاري الذي تحقّق من خلال تنظيم رحلتين يومياً ما رفع صادرات النسيج ألفاً بالمئة، في حين يمكن لدعم الشحن السخي أن يحدث تغييراً، مقترحاً ربط تصدير الحمضيات باستيراد الموز، ما دفع خميس إلى سؤال وزير الاقتصاد إن كان الموز مسموحاً باستيراده، ومع تأكيد ميّالة أن الموز مشمول بسياسة ترشيد الاستيراد عقّب رئيس الحكومة مستهجناً: “إذاً الموز الموجود بالسوق ينزل بالباراشوت..!”.
أما سريرة رئيس غرفة تجارة دمشق غسان قلاع فلم تكن مرتاحة كثيراً، وهذا ما تبدّى من استغرابه الواضح لوجود اتحادات وهيئات عديدة تتحرّك في هذا الملعب، ليقتصر دور وزارة الاقتصاد على روتين منح الإجازات وتعقيدات الموظفين وطلباتهم “الغريبة”، وكما اعتبر أن تصدير الأغنام محرّم ولا يجوز، إلا أن هناك مشكلة في الإنتاج الزراعي المتوقف وبالتالي كيف لنا تصدير كمون ويانسون غير متاحة زراعته في المناطق الساخنة.
أمام ما سبق تساءل وزير النفط علي غانم: هل نبقى مغلقين أمام أساليب التسويق الفردية بوجود حل مؤسساتي لآلية التصدير عبر شركة أو شركات تتقن لغة التصدير؟ وأفاد وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك عبد الله الغربي الذي أبدى امتعاضه من تحييد وزارة الاقتصاد لوزارته من اللجان الاستشارية، بأن مشكلتنا في فصل السياسة عن الاقتصاد، إذ لا توجد قوة سياسية ضاغطة تدعم التصدير، منوهاً بأهمية المعارض التي أعطت فرصة للسفير الصيني أن يؤكد أن البضائع السورية أفضل وأرخص من مثيلاتها الصينية!.
في طرف آخر وجد مدير عام الجمارك فواز الأسعد نفسه مضطرّاً لإثبات براءة مؤسسته من تهم الروتين والفساد، حيث بيان التصدير بسيط والرسوم معفاة بالكامل إذ لا يوجد سوى 5 شرائح والاستيراد مفتوح ما عدا المشمول بالترشيد، ليتدخّل رئيس الحكومة مقدّماً ثناءه لمدير الجمارك ونزاهته ولكنه مرّر معلومات تقول إن ثمة سماسرة يستلمون خطوط التصدير ويحتكرونها “مقطوعة” مع المخلّصين..!.
ولأن ثمة نيّة صادقة للتنفيذ –كما ختم خميس- خرجت النتائج على لسان رئيس الحكومة حاسمة عندما وجّه وزارات الاقتصاد والتنمية الإدارية وهيئة تخطيط الدولة بمشاركة المجلس الاستشاري في الحكومة لإعداد اللائحة التنفيذية لاستراتيجية التصدير والتواصل مع الجهات ذات الصلة بطروح وآراء ونقاشات تعطي عناوين عامة وخطوات سريعة، وتشكيل هيئة رقابية وتعديل التشريعات وتفعيل التنافسية وتسريع عمليات شراء آليات نقل وشحن على أن تعرض خلال جلسة الأسبوع القادم ونشرها في الصحف الرسمية، مع إعطاء كل التسهيلات لترخيص شركة التصدير التي استعدّ خميس أمام غسان قلاع لإعطاء توقيع على بياض ليكون الترخيص خلال يوم واحد.
دمشق – علي بلال قاسم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

69 + = 71