تقرير نهاية العام .. رؤية الرئيس الصيني جين بينغ الخاصة بمفهوم الدولة المسؤولة

837

 
افتتحت الصين في الأسبوع الأخير من العام /2017/ أكبر سوق كربون على مستوى العالم، ما يمثل أحدث إجراء في إطار سلسلة من الإجراءات العملية التي أطلقتها أكبر دولة نامية في العالم في إطار المعركة ضد التغير المناخي.
 
ويمثل البرنامج الجديد الشعور القوي بالمسؤولية لدى الصين بوصفها دولة كبرى في العالم، ويجسد رؤية الرئيس الصيني شي جين بينغ التي أكد عليها في المنتدى الاقتصادي العالمي بداية هذا العام في مدينة دافوس الواقعة بجبال الألب في سويسرا.
ففي كلمته خلال المنتدى، عرض الرئيس شي رؤيته حول كيفية قيادة وتوجيه الاقتصاد العالمي للخروج من الصعوبات التي يمر بها من خلال تنسيق الجهود، ودعا المجتمع الدولي إلى تحمل المسؤوليات التي تواجههم في هذا الزمن.
ووصف رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب كلمات شي الملهمة بأنها “إشراق” في وقت سادت فيه غيمة الشك والتقلب.
 
أزمة المسؤولية
لا يخلو التاريخ من فترات حرجة تجعل دول العالم الكبرى مطالبة باتخاذ إجراء مسؤول.
وبالمفهوم السياسي، تشكل العالم الحديث على يد القوى الغربية عبر قرون من الحروب الوحشية والمدمرة وعبر الصراعات من أجل فرض الهيمنة، وكانت هذه القوى تسعى في أغلب الأحيان إلى تحقيق مصالحها الخاصة بشكل أناني تحت إدعاء “السعي نحو الصالح العام”.
وكتب إدوارد هاليت كار، أحد علماء السياسة والمؤرخين البريطانيين، في كتابه الكلاسيكي عن العلاقات الدولية بعنوان “أزمة العشرين عاماً”، “إن هذا النوع من النفاق هو سمة خاصة مميزة للعقلية الأنجلو-ساكسونية”.
وتعد الحرب على العراق أوضح مثال على ذلك في التاريخ الحديث، ذلك أنه من أجل ضمان وجودها الاستراتيجي في المنطقة، ذهبت الولايات المتحدة لكي تحارب في العراق معتمدة على معلومة استخباراتية واحدة مُختلقة، وبوعد كاذب بأنها ستحرر العراق من الطغيان.
واليوم، وبعد 14 عاما من بدء هذه الحرب، لا يزال العراق يعاني من الأزمات على عدة أصعدة، وتزداد سواداً آفاق السلام في الشرق الأوسط .
كما شهد العام الماضي كيفية تأثير طريقة قوة عظمى، من حيث التحرك من جانب واحد، على بقية المجتمع الدولي، ففي أقل من عام في منصبه، انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بواشنطن من معاهدات دولية هامة واحدة بعد الأخرى.
ومع رفعه شعار “أمريكا أولاً”، اتهم ترامب أغلب الشركاء التجاريين للولايات المتحدة -إن لم يكن كلهم- باستغلال الولايات المتحدة لصالحهم، وهدد بإعادة التفاوض من أجل التوصل إلى ما سماه اتفاقيات “أكثر عدلاً”.
إن هذا الاتجاه القائم على الأحادية زاد من حدة المخاوف المنتشرة، في وقت يشهد حاجة إلى التعددية للتوفيق بين مصالح كافة الأمم التي تتشابك مع بعضها البعض بشدة.
 
رؤية مشتركة
في خطاب الرئيس شي في منتدى دافوس، الذي حث فيه على التجارة الحرة والاقتصاد المفتوح والعولمة، يوضح شي توجهه القائم على التعددية من أجل نمو عالمي مزدهر وينبع من رؤيته الخاصة ببناء مجتمع مصير مشترك للبشرية.
ومنذ أن قام شي بطرح هذه الفكرة الشاملة أمام العالم للمرة الأولى عام 2013 في خطاب بمعهد موسكو للعلاقات الدولية، سعى تدريجياً إلى تجسيد هذه الفكرة وتوضيحها على مدى السنوات.
وقال شي في تقريره الهام في المؤتمر الوطني الـ 19 للحزب الشيوعي الصيني الذي عقد في أكتوبر “إن عالمنا مليء بالأمل والتحديات في الوقت ذاته، ولا تستطيع دولة بمفردها مواجهة التحديات الكثيرة التي تواجه البشرية، ولا تستطيع أية دولة في الوقت نفسه أن تنسحب إلى نوع من العزلة”.
وفي هذه الحقبة من التحديات والمخاطر المتزايدة مثل التغير المناخي والإرهاب الغاشم وتزايد الحمائية التجارية، يرسم مقترح الرئيس شي طريقاً واضحاً وعملياً للمضي إلى الأمام.
يقول جيرهارد ستول، الأستاذ الزائر بجامعة “كلية أوروبا” في مدينة بروج البلجيكية: “بيننا مصير مشترك ويتوجب علينا أن نطور سياستنا القائمة على المصالح المشتركة، وسيمثل هذا نقطة بداية جيدة”.
ويرى الرئيس شي في هذا المجال، إنه يتعين أن يقوم مجتمع مصير مشترك للبشرية على الاحترام المتبادل والتنوع والحوار القائم على المساواة والتعايش السلمي بين الحضارات المختلفة. ولا يتعين تقرير النظام العالمي من قبَل بلد واحد أو بلدان قليلة، وإنما يجب أن يكون هناك توافق دولي واسع.
ويقول وليام جونز، رئيس مكتب مجلة “المراجعة الاستخباراتية التنفيذية” في واشنطن: إن مقترح شي “محاولة من جانب الرئيس الصيني للتغلب على المفهوم التقليدي “للجغرافيا السياسية” القائم على مبدأ “رابحون وخاسرون” وفكرة “القوة تصنع الحق” نحو مفهوم جديد بكون فيه الكل رابحون.
ويتابع قائلاً “وفق هذا المفهوم الجديد، فإنه بإمكان كل طرف أن يلعب دوراً، وأن تعود المكاسب التي يحققها بلد ما بالنفع على البلدان الأخرى”.
 
من الفلسفة إلى الواقعية
إن السياسة الخارجية التي يتبناها الرئيس الصيني ليست أملاً بعيد المنال، إذا أنها توجه إرشادي نحو إنجاز عمل واقعي، ولقد قام الرئيس شي خلال السنوات الخمس الماضية بالعديد من الإجراءات العملية من أجل تحويل هذه الفكرة إلى واقع ملموس.
ومن بين هذه الإجراءات مبادرة الحزام والطريق البارزة، التي اقترحها عام 2013 بهدف تحقيق ارتباط في السياسات والبنية الأساسية والتجارة والمالية والتبادلات الشعبية، على طول الطرق التجارية لطريق الحرير القديم وما وراءه، وعبر بناء منصة جديدة للتعاون الدولي بهدف خلق محركات نمو جديدة.
وخلال منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي الذي عقد في مايو/أيار2017، أكد الرئيس شي أن الصين ترغب في أن ينضم العالم إلى بناء مبادرة الحزام والطريق لتصبح طريقاً للسلام والازدهار والانفتاح والابتكار.
ولعب الرئيس شي دوراً مهماً بتحسين الحوكمة العالمية، وتدعو الصين إلى أن يكون للعالم النامي صوت مسموع في المنظمات والهيئات العالمية، وبذلت الصين جهوداً كبيرة في سبيل بناء نمط جديد للعلاقات الدولية يقوم على الاحترام المتبادل والنزاهة والعدل والتعاون متبادل النفع بين كافة البلدان.
وفي سبيل الحفاظ على السلام العالمي، تعد الصين من أكبر المساهمين في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وتعمل الصين باطراد على تحقيق التسوية السلمية للقضايا الساخنة على مستوى العالم.
يقول ديفيد شامبو، الزميل البارز بمؤسسة “بروكينجز”: “إن دور الصين المتنامي في الحوكمة العالمية إيجابي للغاية وأحد الأوجه الجديرة بالملاحظة في السياسة الخارجية للرئيس شي”.
وعندما تحدث الرئيس شي أمام منتدى دافوس، أشاد العالم بالصين بوصفها “صخرة الاستقرار” وسط عالم من الشكوك، فيما تمضي الآن وفق الخطة الطموحة التي أقرها المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني وتتعاظم التوقعات بالنسبة لزيادة اسهامات الصين في تحقيق التنمية العالمية.
ولقد أظهر التاريخ الحديث أن الصين لن تتخلى أبدا عن مسؤولياتها الدولية، ناهيك عن أنها حددت هدفا ببناء عالم مفتوح وشامل ونظيف وجميل ينعم بالسلام الدائم والأمن الشامل والرخاء المشترك.
وفي رأي شي، كون دولة ما دولة كبرى خلال هذا العصر الجديد لا يعني فرض السيطرة على الآخرين، إنما يعني ذلك “تحمل أكبر للمسؤوليات من أجل السلام والتنمية على المستويين العالمي والإقليمي”، بحسب ما قال شي في كلمته الرئيسية بمنتدى بواو الآسيوي 2015.
 
تاريخ الخبر: 24-12-2017
المصدر: وكالة شينخوا للأنباء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

28 + = 36